صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4248

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

إلى الليبراليين العرب إن وُجِدوا!

  • 24-05-2019

غالباً لا أعلق على كل حدث في حينه، لأن بعضها يحتاج دقة بحث تنتج رأياً موضوعياً، وبعضها يحتاج صفاء الأذهان والعواطف تجاوزاً للظلم الناتج عن هيجان ردود الأفعال، وبعضها لا يستحق الرد عليه أصلاً، لذلك فضلت عدم الخوض مع الخائضين في مقولة "من يضع القرآن بمكانة أعلى من الدستور خائن لوطنه"، التي قالتها في مقابلة متلفزة أستاذة في الفلسفة بكلية الآداب في جامعة الكويت، وهي مقولة مجتزأة من حوار قارب الدقائق العشرين، تقصد عبرها فئة من المتزمتين دينياً يساوون بين النصوص المقدسة وبين تفسيراتهم لها، وقد بيّنَتْ ذلك لاحقاً عبر بيان نشرته في وسائل التواصل الاجتماعي.

لا أخفي، قارئي النبيه، أني قدمت إحسان الظن على إساءته، فعلى الرغم من جرم مقولتها إزاء الآخر، فإن خطيئة عدم الاعتذار عن زلتها لا شفيع يُشَفَّعُ لها! وهو دالٌّ على إيمانها بانتفاء وجود مكانة للقرآن في المجتمع، وحصرها لدى الأفراد فقط، ويعود ذلك إلى وجهة النظر العلمانية المعلنة في اكتفاء القرآن بتنظيم علاقة الفرد مع الله، ولو قرأ علمانيونا القرآن لوجدوا فيه تنظيم العلاقة بين المجتمع المؤمن وغيره من المجتمعات غير المؤمنة شاخصةً، ناهيك عن تنظيم العلاقات بين المجتمع والفرد والعكس.

أتى ليبراليو المجتمعات المسلمة بموقفهم السابق من أمرين: الأول، استعارة الفهم الغربي؛ فأي مفردة كـ"ديمقراطية، دولة المؤسسات، القانون، النظام المدني، الأحزاب، تداول السلطة... إلخ" تتحرى الاصطلاح الغربي لا غير! والثاني، إسقاط السيرورة التاريخية للعلمانية على تاريخ المجتمعات المسلمة، تأسيساً لعلمانية عربية تفصل الغيبي عن المُعاش، لتنشئ إسلاماً دنيوياً، كما فعل الأوروبيون لما وجدوا قصوراً في كتابهم المقدس يمنعهم من الاعتماد على نصوصه لتنظيم دنياهم، لذلك لجؤوا إلى العلمانية التي رأوا فيها– والقول لعزمي بشارة- "محاولة لتأسيس دين دنيوي"، فكلمة العلمانية باللغة الأجنبية (Secularism) مشتقة من (Secular) وهو رجل الكنيسة المهتم بشؤون الدنيا.

يأمل الليبراليون عندنا من تلك المنهجية أن يبلغوا التقدم الذي وصل له الغرب عبر مسيرته الخاصة إذا تتبعنا المسيرة ذاتها، دون وضع أدنى اعتبار للفروقات الثقافية والظرفية الواقعية، وبإهمال مصير التعدد الهوياتي للبشرية الذي سيذوب لا محالة أمام تغوّل المركزية الغربية.