صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4195

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

شاة الغرم

  • 03-05-2019

جاءنا الاستعمار البريطاني يستتر باتفاقيات الحماية من تسلّط الأتراك على العرب، وسلّط علينا فكره واقعاً ماثلاً بما تنازلت له شعوبنا من الإرادة عبر تفاصيل تلكم الاتفاقيات، ومنها- ذكراً لا حصراً- الاتفاق على صناعة حدودٍ بين الأراضي التي تتملّكها القوميّات.

كنا قبله قوميّة واحدة، عرباً؛ شعوباً وقبائل، ترتحل في أرضها للتجارة أو الرعي، ويجري عليها سنّة الناس من ائتلاف واختلاف، وتجاور وتنافر، وتقارب وتحارب، على أرض مشاع مملوكة ملكيّة عامة، إلا ما يتّفق ويفترق عليه الناس من حدود مراعي القبائل المتغيرة حسب المناخ وفصوله، وعيون آبار القوافل المتغيّرة حسب نفاد الماء وانعدام الأمان.

وكان في عرفنا، لِما فرضته مجريات الأيام، أن تعين الشعوب والقبائل من جاورها، وتناصر من التجأ إليها، من أفراد أو عوائل أو عشائر من خارجها، وليبلغ مقام الجوار والنصرة مبلغاً يقيم به المتجاورون مع الناصرين عهداً بينهم على أن يصير دم الدخيل فيهم كدم الأصيل حقيقةً لا مجازاً! فيذبحون شاةً ويطبخونها وليمة غداء أو عشاء، فيبيتون عائلة واحدة، وعشيرة واحدة، وقبيلة واحدة، يجري على الداخل فيهم ما يجري عليهم، يسالم من سالمهم، ويحارب من حاربهم، ويقطع- بتداخله ومن معه بهم- صلته مع أبناء عمومته وخؤولته.

كانت شاة الغرم ممارسةً قبليّة تقابل ممارسة الدول اليوم للتجنيس، فإذا ما رأت القبيلة المجيرة والناصرة في المستجير والملتجئ ما يتفق وأعرافها وقيمها وعاداتها وتقاليدها، قبلته فرداً منها. وينقل لنا كبار السن منّا ما يؤكد أن التجنيس يكون باعتراف كبار القبيلة والعشيرة عامّة، ولا ينتزعه منهم شيوخهم انتزاعاً! وكذلك يكون النفي والطرد كمقابلٍ لسحب الجنسيّة وإسقاطها، فلا تجنيس الغريب، ولا نفي القريب، ناتجٌ عن سلطة متفرّدة! بل عن سلطة الجماعة التي يوكّلها العامة للقيام بتصريف شؤونهم.

في الكويت يملك مجلس الوزراء حق التجنيس وسحب الجنسية وإسقاطها، مما يجعل بطاقة الجنسية كالعصا التي يحملها راكب الحمار، ويعلّق بها جزرة أمامه ليتقدم أملاً في قضمها، وإن تباطأ عجزاً أو يأساً ضربه بها! وقد استُخدمت سياسياً مرات عديدة لتغيير التركيبة السكانية (والسياسية تبعاً) أو لابتزاز السياسيين بها. وحتى تخرج عن شكل السلاح السياسي، لا بد أن تقوم السلطة التي وكّلها المجتمع للقيام بتصريف شؤونه باحتكارها لهذا الحق.