صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4096

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل للصين نقاط ضعف خفية؟

  • 10-04-2019

يبدو أن الرئيس شي جين بينغ يحقق إنجازات ناجحة، إذ أرسل صاروخا نحو الجهة المظلمة من القمر، وبنى جزرا اصطناعية على سلسلة صخور متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وأغرَى في الآونة الأخيرة إيطاليا حتى تقطع علاقات التعاون مع شركائها الأوروبيين، وتوقع مبادرة حزام واحد طريق واحد، وفي غضون كل هذا، أدى الموقف الأحادي الجانب للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تراجع القوة الناعمة للولايات المتحدة الأميركية وتأثيرها.

لقد كانت الإنجازات الاقتصادية للصين خلال العقود الأربعة الأخيرة مدهشة بالفعل، وأصبحت الصين الآن الشريك التجاري الرئيس لما يزيد على مئة بلد مقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية التي لها نصف هذا العدد، فقد تباطأ نموها الاقتصادي، لكن معدلها السنوي الرسمي الذي يصل إلى 6% يساوي أكثر من ضعف معدل الولايات المتحدة الأميركية. ووفقا لما تقوله الآراء السائدة، يُتوقع أن يتجاوز اقتصاد الصين اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية في السنوات العشر القادمة.

ربما قد يكون هذا ممكنا، لكن قد يكون لـ"شي" نقاط ضعف خفية أيضا.

لا أحد يدري ما يخبئه مستقبل الصين، وهناك تاريخ طويل للتوقعات الخاطئة بانهيار منهجي أو ركود، ومع أنني أستبعد حدوث كلا الحالتين، أظن أن الآراء السائدة تبالغ في تقييمها لقوة الصين، ويرى الغربيون انقسامات واستقطابات في نظامهم الديمقراطي، لكن جهود الصين الناجحة في إخفاء مشاكلها لن تنهي هذه الأخيرة. ويصف علماء الحضارة الصينية الذين لهم دراية أكبر بالموضوع على الأقل خمس مشاكل كبرى طويلة الأمد تواجهها الصين:

أولا، هناك العامل الديمغرافي غير الإيجابي للصين، إذ وصلت القوة العاملة إلى أعلى مستوياتها في عام 2015، وتجاوزت مرحلة الأرباح السهلة من التحضر. فضلا عن أن السكان تشيخ، وستواجه الصين ارتفاعا كبيرا للتكاليف الصحية، وهي ليست على استعداد لذلك، وسيضع هذا عبئا كبيرا على الاقتصاد وسيزيد من عدم التكافؤ في النمو.

ثانيا، ينبغي على الصين تغيير نموذجها الاقتصادي، ففي عام 1978، حول تشياو بينغ الصين بحكمة بالغة من اكتفاء ذاتي (ماوي) إلى نموذج نمو شرق آسيوي يعتمد على الصادرات، وكانت اليابان وتايوان البلدين السباقين في اعتماد هذا النموذج بنجاح. إلا أن هذا النموذج بالإضافة إلى تسامح الحكومات التي تفسح المجال لنجاحه، لا يلائمان الصين اليوم. فمثلا، يركز الممثل التجاري للولايات المتحدة الأميركية روبيرت لايثايزر على غياب التبادلية، وغياب دعم الشركات التابعة للدولة، والتحويل الإجباري للملكية الفكرية التي سمحت للصين بتحويل ساحة المنافسة لمصلحتها. ويشتكي الأوروبيون أيضا من هذه المشاكل، وتعوق سياسات الملكية الفكرية للصين واختلالات سيادة القانون الاستثمار الخارجي وتدفع مقابل ذلك الدعم السياسي الدولي الذي غالبا ما تجلبه هذه الاستثمارات. ويخفي ارتفاع معدلات استثمارات الحكومة في الصين ومعدلات دعمها للشركات التابعة للدولة عجزا في توزيع رأس المال.

ثالثا، في حين اختارت الصين لما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن إحداث إصلاحات سهلة نسبيا، تحتاج اليوم لإحداث تغييرات أكثر صعوبة نظاما قضائيا مستقلا، وعقلنة الشركات التابعة للدولة، والقضاء على نظام هوكو فيما يخص التسجيل السكني، الذي يقيد التنقل ويؤدي إلى اللامساواة. فضلا عن أن شي أسقط الإصلاحات السياسية التي قام بها دينغ من أجل الفصل بين الحزب والدولة.

ويحيلنا هذا إلى المشكل الرابع إلى أن ما يثير السخرية هو أن الصين أصبحت ضحية لنجاحها، إذ لاءم النموذج اللينيني الذي فرضه ماو في عام 1949 التقاليد الإمبريالية الصينية جيدا، لكن التقدم الاقتصادي السريع غير الصين واحتياجاتها السياسية. فقد أصبحت الصين مجتمعا حضريا للطبقة الوسطى، لكن النخبة الحاكمة تظل حبيسة تفكير سياسي يدور في حلقة مفرغة، التي تعتقد أن الحزب الشيوعي وحده قادر على إنقاذ الصين، ومن هنا يجب أن يعَزِّز أي إصلاح احتكار الحزب للسلطة. لكن هذا بالضبط ما لا تحتاجه الصين، حيث تعارض نخبة الأحزاب التي تحقق ثروات هائلة من النظام القائم الإصلاحات البنيوية العميقة التي قد تؤدي إلى استغناء الصين عن اعتمادها على مستويات مرتفعة من الاستثمارات الحكومية والشركات التابعة للدولة، ولن تستطيع حملة شي لمكافحة الفساد التصدي لهذه المقاومة؛ بل ليست إلا مبادرة مُحبِطة.

وخلال زيارة قمت بها مؤخرا إلى بيجين، أخبرني خبير اقتصادي صيني أن حملة شي تكلف الصين 1% من الناتج المحلي الإجمالي كل عام، وأخبرني رجل أعمال صيني أن معدل النمو الحقيقي أقل من نصف الرقم المعلن عنه رسميا، وربما قد يكون هذا متناقضا مع ديناميكية القطاع الخاص، لكن حتى في هذا القطاع، أدى الخوف من فقدان السيطرة على تعزيز دور الحزب.

ويكمن المشكل الأخير في تراجع القوة الناعمة للصين، إذ أعلن شي "الحلم الصيني" المتمثل بالرجوع إلى العظمة العالمية، ومع تباطؤ النمو الاقتصادي وتزايد المشاكل الاجتماعية، ستعتمد شرعية الحزب على مثل هذه الإغراءات القومية. وخلال العقد الماضي، أنفقت الصين المليارات من الدولارات لتزيد جاذبيتها للدول الأخرى، لكن استطلاعات الرأي العام الدولي تظهر أن الصين لم تحقق أرباحا مقابل استثماراتها. فضلا عن أن قمع الأقليات العرقية المثيرة للمشاكل، وسجن محامي حقوق الإنسان وخلق دولة مراقبة، وإبعاد الأفراد المبدعين عن المجتمع المدني مثل الفنان المعروف آي ويوي، يحد من جاذبية الصين في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية.

وقد لا تضر هذه السياسات بسمعة الصين في بعض الدول الدكتاتورية، لكن أيديولوجية الدكتاتورية الحديثة لا تشبه أيديولوجية الشيوعية. وقبل عشرات السنين كان الثوريون الشباب حول العالم متأثرين بدروس ماو، واليوم، بصرف النظر عن أن فكرة "شي جين بينغ بشأن الاشتراكية مع الميزات الصينية" احتفظت بقدسيتها داخل دستور الحزب، فإن قليلا جدا من الشباب في الدول الأخرى يحمل هذا الشعار.

إن للصين مكامن قوة هائلة، لكن لديها نقاط ضعف كبيرة أيضا، وينبغي كذلك أن تتفادى الاستراتيجية الأميركية المبالغة، وستزداد الصين أهمية، وستصبح العلاقة الصينية الأميركية منافسة تعاونية، ويجب ألا ننسى أي جزء من هذا الوصف، وليس محتملا أن تتجاوز أي دولة، بما في ذلك الصين، قوة الولايات المتحدة الأميركية على جميع المستويات في العقد أو العقدين المقبلين، لكن على الولايات المتحدة الأميركية أن تتعلم تقاسم القوة عندما تتقوى الصين وغيرها من الدول، وإذا حافظت الولايات المتحدة الأميركية على حلفائها الدوليين ومؤسساتها المحلية، فستكون لديها ميزة نسبية.

* جوزيف إس. ناي

* أستاذ في جامعة هارفارد، ويحمل كتابه الذي سيصدر قريبا عنوان "هل الأخلاق تهم؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من فرانكلين روزفلت إلى ترمب".

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»