صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4472

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ماكرون يخلط بين التصلب والقوة

  • 27-03-2019

من المؤسف أن نسخة ماكرون تعد بمركزية لم نشهد لها مثيلاً، وتصلب في التجارة، وتفشي المغالاة في فرض القواعد، والحد من الحريات الوطنية والفردية.

جلس الرئيس الفرنسي قبل بضعة أيام وكتب رسالة إلى أوروبا بأسرها، فبهذه الطريقة أراد ماكرون تصوير نشره مقالاً يحمل آراءه في عدد من وسائل الإعلام الأوروبية المختلفة في وقت واحد.

من الواضح أن ماكرون تواق إلى التحدث عن أمر آخر غير أزمة "السترات الصفراء" في فرنسا؛ لذلك صاغ رسالة الحب هذه كدعوة إلى نهضة في الاتحاد الأوروبي.

لكن "النهضة" كلمة تحمل معاني كثيرة تختلف باختلاف الأشخاص. على سبيل المثال، تشكّل النهضة الأصلية في رأيي انتشاراً غير مسبوق لعملية التحرر السياسي والاقتصادي، ونمو التجارة العالية، وتدفق الثروة الدولية، وتطور الحرية الشخصية.

من المؤسف أن نسخة ماكرون تعد بالعكس: مركزية لم نشهد لها مثيلاً، وتصلب في التجارة، وتفشي المغالاة في فرض القواعد، والحد من الحريات الوطنية والفردية.

نتيجة لذلك، حتى الفدراليون المتشددون في الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني حذروا ماكرون من عشقه المفرط للمركزية. إذاً، لنتأمل بدقة بعض أفكاره عن النهضة.

جدد ماكرون، كما هو متوقع، دعوته إلى "جيش أوروبي فعلي"، يعزّ الفدراليون هذا الطموح الخاطئ منذ زمن، فضلاً عن حبهم لعلم الاتحاد الأوروبي، ونشيده، وكل رموز الدولة وزخارفها.

بالإضافة إلى ذلك، ذكر ماكرون أنه يريد إصلاح سياسة الهجرة، واشتكى من أن الدول الأعضاء المختلفة تتبع اليوم سياسات متباينة جداً بشأن اللجوء والهجرة.

لا شك أن هذا سيثير خوف أي دولة تريد أن تبقي عملية ضبط حدودها مسألة خاصة بها.

كان حرياً بماكرون أن يعد بفرض ضواط أكثر تشدداً على الهجرة وتضييق الخناق على سفن المهربين التي تنقل المهاجرين من إفريقيا إلى أوروبا، فهو يريد أيضاً حداً أدنى أوروبياً للأجور.

قد تكون هذه الخطوة قابلة للنقاش على المستوى الوطني كعمل إنصاف، إلا أنها لن تُعتبر كذلك مطلقاً على المستوى الأوروبي.

عندما نقارن التفاوت في إنتاجية رومانيا وبلغاريا مثلاً بإنتاجية ألمانيا وهولندا أو الاقتصادات المحلية داخل هذه الأمم، نلاحظ أن هذا يعني أن علينا إقحام الكثير من جداول الأجور في عدد كبير من الأوضاع المالية التي لا تناسبها.

يطالب الرئيس الفرنسي أيضاً بديون جماعية، ومن المؤكد أن هذا سيفرح كثيراً الدول المبذرة التي تستمتع بالعيش بطريقة مترفة تتخطى إمكاناتها.

يدعو كذلك إلى وكالة أوروبية لحماية الديمقراطيات بغية التصدي "للأخبار الكاذبة" ومنع التمويل الدولي للأحزاب السياسية، وفق ماكرون.

على غرار الكثير من طموحاته، قد يبدو لك هذا الاقتراح غير مؤذٍ، لا بل مفيد على الأرجح، إلى أن تبدأ الغوص في التفاصيل، مثلاً: مَن يقرر ما الحقيقي وما الكاذب من الأخبار؟

فضلاً عن ذلك، ما الصلاحيات التي ستُعطى لهذه الوكالة كي تتمكن من ضبط الرسائل التي تصلنا؟ وما معنى تمويل؟

بدون دراسة؟

يريد ماكرون أيضاً إنشاء مصرف أوروبي للمناخ بهدف تمويل عملية انتقال الاتحاد الأوروبي إلى بعض الأهداف البيئية التي يبدو أنه اختارها عشوائياً بدون دراسة، وخصوصاً "التوقف بالكامل عن إنتاج الكربون بحلول عام 2050 وخفض استعمال مبيدات الآفات إلى النصف بحلول عام 2025".

تنشأ مرة أخرى أسئلة عدة: مَن يُطعم شعوب العالم المتنامية عندما يُحرم المزارعون اعتباطياً من أداة يحتاجون إليها؟

ما الفائدة التي سيجنيها الكوكب عندما يصدّر الاتحاد الأوروبي وظائفه التصنيعية، فضلاً عن بصمته الكربونية، إلى الاقتصادات النامية في الصين، والهند، والبرازيل؟

وأخيراً وليس آخراً، مَن سيموّل المصرف، مع أن الدول الأعضاء الأكثر ازدهاراً في الاتحاد الأوروبي تعتقد أنها تعرف الجواب؟

أقر بأن ماكرون محق في نقطة واحدة: تحتاج أوروبا إلى التغيير، إذ يتراجع اقتصادها وتبلغ البطالة فيها معدلات عالية جداً، فضلاً عن معدل إنجازاتها المحزن في مجال إتمام الصفقات التجارية يؤخر تقدمها.

لكن صيغته لإحداث التغيير يقارب المشكلة من اتجاه خاطئ. يعتقد ماكرون أن المزيد من الجمود، والمزيد من المركزية، والمزيد من القيود، والمزيد من التطابق تشكل طريقة لاكتساب القوة، إلا أن العكس هو الصحيح لأنه يخلط بين التصلب والقوة.

المزيد من المرونة، والمزيد من التنوع، والمزيد من الحرية التي تتيح للأمم والأفراد الاختبار والابتكار، بهذه الطريقة تحقق التقدّم الاقتصادي وتنشر الحماسة والحيوية.

تقوم الطريقة الفضلى لاكتساب قوة حقيقية على المرونة والطاقة لا على القمع والمركزية الخانقة.

بدل أن نسأل الناخبين عن مدى قوة الفدرالية التي يريدونها، يجب أن نقدّم لهم بديلاً حقيقياً يقود إلى إصلاح فعلي، إصلاح للاقتصاد والتركيز على فوائد السوق المشتركة والتخلي عن الهوس بالعملة الموحدة.

ويعني ضمان الأمن حدوداً أقوى، وتشاطراً أفضل للمعلومات داخل الاتحاد وخارجه، وقبول فكرة أن كل أوجه أمننا العسكرية يجب أن تظل محصور بحلف شمال الأطلسي.

أما إعادة إرساء الديمقراطية، فتعني تركيزاً أكبر على المسائل المهمة، والحد من عدد مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحجمها، وحفض البيروقراطية، وتقليل عدد البيروقراطيين، والتوصل إلى رابط أوضح بين عمليات الاقتراع والنتيجة السياسية.

تعكس "رسالة" ماكرون بوضوح أننا لم نتعلم بعد دروس قرار المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي، لا نستطيع الاستمتاع بالموسيقى إذا لم تكن الآلات الموسيقية مضبوطة بدقة، وينطبق الأمر عينه على الاتحاد الأوروبي، فعندما يعزف سياسيونا ومؤسساتنا لحناً مختلفاً عمن يُفترض بهم أن يمثلوهم، سيكون الفشل نصيبهم.

لهذا السبب علينا أن نعيد ضبط لحن الاتحاد الأوروبي كي ينسجم مع رغبات شعبه، حيث يطالب شعب أوروبا بشدة بهذا التناعم: المزيد من الحرية، والمساءلة، والديمقراطية، ولكن من المحزن أن ماكرون وأعوانه يعتقدون أن الجميع باستثنائهم هم مَن ينشزون.

* يان زاهراديل

* «إي يو أوبزورفور»