صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4143

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

في غيّهم يعمهون!

  • 21-03-2019

نلوذ بالحب لنهزم الزمن، مع يقيننا بأن هزيمتنا على يد الحب مضمونة، وفرصنا في تحقيق نصر ولو ضئيل شبه معدومة، ورهاناتنا على أغلب اليقين خاسرة، فمعظم المحاولات منذ الأزل وحتى وقتنا الحالي لا تمنحنا البشائر، ولا تمنحنا بصيص أمل تعتدّ به القلوب للحصول على حلوى الفوز على الزمن عن طريق الحب أو بمساعدة منه.

يحدث هذا فقط في القصص والحكايات التي نحيك ثيابها من خيوط العزاء، مطرّزة بكثير من ديباج الخيال، لعل ذلك يحافظ على صحة الأمل بداخلنا بنخوة الحب، أو ربما لأننا نحاول عبثاً أن نحسن الظن بكذبة ما ولو مرة، لعل الإصرار عليها يجعلها تصبح مع الزمن حقيقة، إلا أن الزمن في أغلب الأحوال يمد لسانه ساخرا من محاولتنا هذه ومن سذاجتها، مما يعزز حقيقة أن حيلتنا في استخدام الحب وسيلة لهزيمة الزمن لن يكتب لها النجاح، فكثيرا ما يؤكد الحب أنه لن يكون عونا لنا في التغلب على الزمن، ولن يساعدنا في كسب نقاط ضده، إذن؛ ما فائدة الحب؟!

كنا نظن أنه سيمنعنا من ألّا نشيخ، وعندما يسألنا أحد: "وين كنتوا؟!" "وليش ما كبرتوا إنتو؟!" "منقولن نسينا"!

كنا نعتقد أن مهمة الحب أن يحفظ قلوبنا خضراء تتحدى خريف العمر، حتى أننا في تعبيرنا العامي نَصِفُ كل من يحركه الهوى، ويرتعش قلبه مع كل نسمة جمال بأن "قلبه خضر"، ممتلئون بوهم يتملكنا بأن الحب مقاوم لصدأ العمر قادر على إعادة تشكيل نشارة خشبه تماثيل تنفخ الأيام فيها الروح كلما هددها الفناء، وأنه ذلك المستطيع تحويل ذكرياتنا مزارا مباركا للحظاتنا الهزيلة والعليلة، لتشفى من علّتها وتستعيد عافيتها، وأنه الكفيل بديمومة شبابنا وتحصين قلوبنا من التجاعيد، كنّا على ما يشبه اليقين بأن جوارحنا لن تشيب، ولن يصيبها الوهن إن نحن تداوينا بأعشاب الحب السحرية، لم يكن لدينا شك في أنه يمتلك المعجزات التي باستطاعتها أن تخبئنا من "درب الأعمار"، إلا أن الحب لم يكن ليحفل قط بما نظنّ وما نعتقد، فشعار الحب دائما "دعهم في غيهم يعمهون".

الحب غير معنيّ بالانتصار لنا في حربنا مع الزمن، وغير مهتم بالإبقاء على أعمارنا تقف شابة تعجز الكهولة أن تنال منها، الحب يقف دائما على الحياد في مشكلتنا الوجودية هذه، يقف متفرجاً على محاولاتنا الصبيانية التي دائماً ما تنتهي إلى طريق مسدود، مهمة الحب أن يجمّل أعمارنا إن أحسنّا التعامل معه، لا أن يشارك في تزويرها، هو يصاحبنا عبر رحلة العمر ليتماهى مع كل سنة نقطعها، ويمنحها ما يناسبها من الجمال والدهشة، يتشكل الحب معنا خلال رحلة العمر، ليجعل خطواتنا طوال الرحلة مزهرة ومليئة بالعشب، إنه فقط يحفظ العمر من اليباس، لكنه لن يشاركنا سرقة يوم منه، بادعاء أننا لم نكبر!