صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4153

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

التقاط الأشلاء بعد هانوي

  • 20-03-2019

عندما انتهت قمة الشهر الماضي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون دون التوصل إلى اتفاق، لم تكن النتيجة مفاجئة، فقد ذهب أحد الزعيمين أو كلاهما إلى هانوي دون إدراك صحيح لما هو ممكن.

ادعت الولايات المتحدة أن كوريا الشمالية كانت تريد رفع كل العقوبات الدولية تقريبا مقدما، وأنها لم تكن على استعداد للتخلي عن القدر الكافي من منشآتها النووية لتبرير رفع العقوبات عنها، وشرح المسؤولون من كوريا الشمالية أنهم كانوا على استعداد لتفكيك المنشأة الرئيسة في البلاد، أو مركز يونغ بيون للأبحاث العلمية النووية "بشكل دائم وكامل"، ولكن فقط في مقابل خفض كبير للعقوبات القائمة.

ربما كانت الخاتمة المخيبة للآمال في هانوي نتيجة حتمية لعملية سيطر عليها زعيمان متفائلان بعلاقتهما الشخصية وواثقان في قدراتهما، وكان الدور الذي أداه كبار المسؤولين وغيرهم من الموظفين، الذين يكرسون عادة الأسابيع والأشهر للإعداد لمثل هذه القمم، محدودا جداً.

السؤال هو ماذا يجب أن يحدث الآن. يتمثل أحد الخيارات في محاولة التفاوض على حل وسط: إما المزيد من تفكيك البنية الأساسية النووية في مقابل المزيد من تخفيف العقوبات، أو تفكيك أقل في مقابل تخفيف أقل.

على الرغم من أن أحد هذه الأساليب قد يكون في حكم الممكن، فإن أيا من النتيجتين لن تكون مثالية، فالاتفاق ببساطة على التخلي عن منشآت نووية فردية ليس كمثل نزع السلاح النووي، الواقع أن هذا لا يقربنا بالضرورة من نزع السلاح النووي، لأن المنشآت النووية يمكن بناؤها أو توسيعها في حين يجري تفكيك منشآت أخرى.

ويبدو أن هذا هو ما يحدث على وجه التحديد حاليا، ومن ناحية أخرى، من شأن رفع العقوبات أن يزيل الضغوط المفروضة على كوريا الشمالية لحملها على اتخاذ خطوات حقيقية نحو نزع السلاح النووي.

ما البدائل إذاً؟ إن استخدام القوة العسكرية، ولو حتى بشكل محدود، ينطوي على خطر التصعيد، واندلاع حرب باهظة التكلفة لا يستطيع أي طرف أن يستفيد منها، فضلا عن اندلاع أزمة في العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ونظراً لقدرة كوريا الشمالية الواضحة على الصمود، فإن العقوبات الحالية أو حتى الإضافية من غير المرجح أن تكون وحدها كافية لإجبار قادتها على التخلي عن برنامجهم النووي.

فضلا عن ذلك، وبصرف النظر عن مقدار الضغوط المفروضة على كوريا الشمالية، من المرجح أن تبذل الصين وروسيا قصارى جهدهما لضمان بقائها، نظرا لمصلحتهما الاستراتيجية في تجنب إعادة توحيد شطري شبه الجزيرة الكورية على النحو الذي يجعلها منحازة إلى الولايات المتحدة، وعلى هذا فإن الآمال بأن تنهار كوريا الشمالية تحت ثِقَلها غير واقعية.

ويبدو أن ترامب يحتضن فكرة غير واقعية بالقدر نفسه، مفادها أن كوريا الشمالية ستتخلى طواعية عن أسلحتها النووية لكي تصبح النمر الاقتصادي الآسيوي التالي. ولكن في حين يريد كيم تخفيف العقوبات، فإن الإصلاح الاقتصادي الأساسي من شأنه أن يهدد قبضته المحكمة على السلطة، والتخلي عن أسلحته النووية وصواريخه يعرضه هو وكوريا الشمالية للخطر. وقد انتبه إلى ما حدث لأوكرانيا، التي تخلت طواعية عن أسلحتها النووية من الحقبة السوفياتية في أوائل تسعينيات القرن العشرين، وكذا العراق في عهد صَدّام حسين، وليبيا في عهد معمر القذافي.

بيد أن الوضع الراهن ليس حلا، فقد ينتهي قرار وقف الاختبارات الساري؛ بل إن كوريا الشمالية تهدد باستئناف التجارب وهناك من الأدلة ما يشير إلى أنها تعيد بناء موقعها الرئيسي لتجربة الصواريخ. قد تكون هذه محاولة لحمل الولايات المتحدة على إبداء المزيد من المرونة، أو ربما تستعد كوريا الشمالية بالفعل لاستئناف الاختبارات، وهي الخطوة التي من المرجح أن تدفع الولايات المتحدة إلى استئناف التدريبات العسكرية الواسعة النطاق مع كوريا الجنوبية والدفع باتجاه فرض عقوبات جديدة. ومن المحتمل أن ينتهي الأمر إلى تعليق المحادثات؛ وقد نعود إلى حيث كنا قبل عامين ولكن مع طبقة إضافية من تبادل الاتهامات وانعدام الثقة.

وحتى في غياب مثل هذه التطورات، فإن الانجراف أمر غير مرغوب، فقد تستغل كوريا الشمالية مرور الوقت لزيادة عدد الأسلحة النووية في ترسانتها وإدخال بعض التحسينات على رؤوسها الحربية وأنظمة إيصالها إلى هدفها دون إجراء اختبارات علنية، وهناك فارق كبير بين كوريا الشمالية المسلحة بعدد قليل من الرؤوس الحربية غير الفعّالة والصواريخ غير الدقيقة وكوريا الشمالية التي تمتلك العشرات من الأسلحة المتقدمة التي يمكن تركيبها على أنظمة صاروخية دقيقة بعيدة المدى وقادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة.

عند هذه المرحلة، يجب أن تبدأ أي سياسة واقعية بقبول حقيقة مفادها أن نزع السلاح النووي الكامل والقابل للتحقق التام ليس احتمالا واقعيا في أي وقت قريب، ويجب ألا تتخلى عنها كهدف بعيد الأمد، ولكن لا ينبغي لها أن تهيمن على السياسات في الأمد القريب. ومن الواضح أن انتهاج سياسة "كل شيء أو لا شيء" في التعامل مع كوريا الشمالية لن يفضي إلى أي شيء.

من المنطقي إذاً أن نستكشف نهجاً تدريجياً، ففي مرحلة أولية قد توافق كوريا الشمالية على تجميد اختبار أنظمتها، بل إنتاج المواد النووية، والأسلحة النووية، والصواريخ البعيدة المدى أيضاً، وهذا يتطلب أن تعمل السلطات الكورية الشمالية على تقديم حساب تفصيلي (ما يسمى الإعلان) للمنشآت ذات الصِلة والموافقة على التحقق من قِبَل مفتشين دوليين.

في المقابل تتلقى كوريا الشمالية نوعا من تخفيف العقوبات بشكل كبير والذي سعت إليه في هانوي، وربما يشمل الأمر أيضا إنهاء حالة الحرب التي ظلت قائمة طوال العقود السبعة الماضية، ومن الممكن أيضا فتح مكاتب اتصال في واشنطن وبيونغ يانغ، لكن الإعفاء الكامل من العقوبات والتطبيع الدبلوماسي يجب ألا يأتي إلا مع نزع السلاح النووي بالكامل.

ربما يكون هذا أكثر مما ينبغي من منظور كوريا الشمالية، التي يمكننا أن نقول إنها المجتمع الأكثر انغلاقا في العالم، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الجزء الأكبر من العقوبات لابد أن يظل قائما؛ ويجب ألا تُرفَع إلا بما يتناسب مع قدر التفكيك، وما دام العالم يمكنه التثبت من أن كوريا الشمالية لم تطور قدرات جديدة لتحل محل تلك التي تتخلى عنها. وينبغي للولايات المتحدة أن تحدد أي المواقع، بالإضافة إلى موقع يونغ بيون، يجب أن يجري تفكيكها.

وحتى هذا النهج الأقل طموحا من المرجح أن يثبت أنه بالغ الصعوبة، ولكن نظرا للمخاطر الهائلة والبدائل غير الجذابة في التعامل مع كوريا الشمالية، فإن أي مسار قابل للتطبيق يقود إلى تسوية تضمن الاستقرار البعيد الأمد يستحق ملاحقته إلى النهاية.

* ريتشارد ن. هاس

* رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب «عالم في فوضى».

«بروجيكت سنديكيت، 2019»

بالاتفاق مع «الجريدة»