صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4071

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لماذا تفادت الهند وباكستان حرباً نووية؟

الهند وباكستان دولتان نوويتان وفي أي وقت تهاجم فيه دولة نووية دولة أخرى فإن ذلك يذكرنا بمدى سهولة إحداث إبادة نووية، وكل ما يتطلبه ذلك هو سوء حسابات كي يتم القضاء علينا بصورة تامة.

أقل ما يمكن أن يقال عن الوضع في جنوب آسيا هو أن التوترات تصاعدت إلى حد كبير، فالهند وباكستان دولتان نوويتان وفي أي وقت تهاجم فيه دولة نووية دولة أخرى فإن ذلك يذكرنا بمدى سهولة إحداث إبادة نووية، وكل ما يتطلبه ذلك هو سوء حسابات كي يتم القضاء علينا بصورة تامة. وعلى الرغم من صحة هذه المخاوف فإنها قد تكون موضع مبالغة في بعض الأحيان، ولا تزال قوانين الردع النووي سارية حتى يومنا هذا وهو ما منع الهند وباكستان من شن حرب نووية ضد الدولة الأخرى أيضاً.

وعلى الرغم من ذلك، فإن حقيقة أن البلدين يخوضان اشتباكات بين الحين والآخر يجعل الوضع في جنوب آسيا فريداً بين كل النزاعات الإقليمية وألعاب الحرب النووية. ونظراً لأن المخاطر عالية جداً فإن من المهم أن نفهم كيف وصلت الهند وباكستان إلى هذه النقطة، ولماذا يحتمل أن تمنع الأسلحة النووية اندلاع حرب رئيسة تقليدية على الرغم من عدم استبعاد الحرب النووية بصورة تامة؟

ويصعب تحليل العقيدة النووية لأنها غير معلنة، وقد يشعر القادة بارتياح لخططهم الأفضل لكنهم سوف يستجيبون للوضع الذي يواجههم من دون النظر الى استعدادهم له، وعلى الرغم من ذلك يستمر التشابه وكل العقائد ذات صلة جيوسياسية في 3 طرق رئيسة:

ويمثل الطريق الأول عقيدة توجز أنواع الأسلحة اللازمة لدعمه، وبالتالي أي أسلحة يتم إنتاجها في الدولة النووية.

والثاني هو أن الحرب النووية تقع بسرعة ويتعين على القادة أن يقرروا على عجل ما إذا كانت الصواريخ القادمة مزودة بأسلحة نووية، وبالتالي ما إذا كان عليهم توجيه ضربة نووية انتقامية.

والثالث هو كيفية تشكيل القيادة والتحكم في الدولة، وكيفية توزيع مراكز اتخاذ القرار ضمن سلسلة من القيادة، وعلى سبيل المثال في حال تبادل الضربات النووية هل يملك قائد غواصة نووية خطاً مباشراً مع القيادة العليا في الدولة؟ وإذا لم تكن الفرصة متاحة له فقد يأمر بتوجيه أسلحة نووية رداً على الضربة الأولى المفترضة.

وتعتبر واحدة من أكثر الأفكار أهمية بالنسبة الى نظرية الردع النووي هي توجيه الضربة الأولى بدلاً من القيام بضربة انتقامية، وخلال الحرب الباردة أفضت فكرة التدمير المتبادل الى تحقيق نوع من التوازن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وتراجعت فرص توجيه الضربة الأولى نظراً لعدم قدرة الجانبين على توقع البقاء بعد تبادل للضربات النووية بغض النظر عمن يوجه الضربة الأولى.

وبعد وقت قصير من إجراء الهند لتجربتها النووية الثانية في عام 1998 عمدت الى تطوير عقيدة نووية تستبعد توجيه ضربة أولى (على الرغم من أنها سمحت باستخدام أول للأسلحة النووية رداً على هجوم بالأسلحة الكيميائية أو البيولوجية)، وكانت الهند تحاول الحد من خطر قيام باكستان بتوجيه الضربة الأولى ضد المنشآت النووية الهندية، وهي عقيدة تدعى «الردع الأدنى الموثوق». وقد نجحت بالنسبة الى الهند وأبقت الفرصة متاحة لها كي تستخدم قوتها التقليدية الأكثر قوة ضد باكستان في حين قلصت أيضاً خطر التصعيد النووي.

وكانت عقيدة باكستان اشتملت في الماضي على شيء يشبه الردع الأدنى الموثوق ولكن الهند طورت بعد ذلك فكرة «البداية الباردة» التي تعني أنها تستطيع القيام بهجوم بري تقليدي غير نووي لا يرقى الى عتبة الاستخدام النووي من جانب باكستان. وعلى الفور طورت باكستان عقيدتها الى «ردع تام» يتضمن حق الاستخدام الأول، وفي البداية الباردة قد لا تستطيع قوة باكستان التقليدية الأضعف صد الغزو الهندي كما تستطيع باكستان استخدام أسلحة نووية تكتيكية أقل تأثيراً من أجل دحر الهجوم.

وبغية تطوير قدرات ضربة ثانية أكثر موثوقية استثمرت الهند وباكستان في الغواصات، ويعتقد الآن أن الهند تملك غواصة مجهزة بأسلحة نووية تدعى «آي إن إس أريهانت»، ولكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الغواصة قادرة على العمل بصورة تامة. وتقوم باكستان بتطوير غواصة نووية أيضاً ولكن ليس مثل الهند. وتضمن غواصة نووية هندية تحقيق ضربة ثانية موثوقة ضد باكستان تضمن لها توجيه ضربة مدمرة الى باكستان إذا كانت البادئة بالضربة الأولى، ويقول المنطق إن هذا يقلص رغبة باكستان في استخدام أي أسلحة نووية أولاً لأن ذلك يعني انتحاراً.

ومع قدرات توجيه ضربة ثانية من غواصة يأتي تراجع القيادة، وفي الحرب توجد دائماً فرصة في أن تكون الغواصات غير قادرة على التواصل مع القيادة ولذلك فهي تميل الى الحصول على سلطة لاتخاذ قرارات من تلقاء نفسها.

وتوجد عادة خطوات تهدف إلى منع شخص واحد من التمتع بسلطة اتخاذ قرار، ولكن عدم اليقين إزاء ما يجري على السطح سوف يجعل من الصعب بالنسبة الى القادة المنعزلين اتخاذ قرار، كما توجد أخطار إضافية تنبع من وضع باكستان أسلحة نووية على الغواصات، وذلك في ضوء تغلغل الإرهابيين الى جيشها في الماضي.

وقد أدت قدرة الهند الأكثر موثوقية على توجيه ضربة ثانية دوراً في الغارات الجوية التي استهدفت باكستان في الآونة الأخيرة، كما أن الحكومة في نيودلهي تختبر افتراض باكستان بأن الهند التي تخشى عقيدة باكستان التي تسمح لها بالاستخدام الأول للسلاح النووي لن ترد على الهجمات الإرهابية عبر استهداف الأراضي الباكستانية، وهو افتراض عبر عنه في العام الماضي الجنرال الهندي بيبين راوات الذي قال «نحن سنحبط خديعتهم ولن نقول إننا لا نستطيع اجتياز الحدود لأن لديهم أسلحة نووية».

ويشكل هذا درجة من المنطق، والإرهاب طريقة رخيصة التكلفة بالنسبة الى باكستان لتوجيه ضربة الى الهند، وخصوصاً إذا عرفت أن الرد الانتقامي سيقتصر على أهداف إرهابية في كشمير لا أهداف عسكرية في باكستان، ولكن ذلك يثير أيضاً السؤال حول عتبة باكستان المتعلقة بتوجيه الضربة الأولى.

ونظراً لأن الهند تعلم أن باكستان ترغب نظرياً في استخدام الأسلحة النووية التكتيكية لصد غزو بري فإن ضربة جوية محدودة ضد معسكر تدريب للعناصر الإرهابية– حتى في داخل باكستان– لن يكون على ذلك القدر من الأهمية، وعلى الرغم من ذلك فإن الهند تظهر أنها أكثر تأكيداً على تشكيل قوة ردع تقليدية ضد هجمات باكستان الإرهابية، كما أظهرت أيضاً أن التطورات التقنية يمكن أن تؤثر في طريقة الدولة في حماية مصالحها الأمنية. ثم إن الضربات الجوية تظهر أن الهند قد لا تشعر بقلق إزاء عقيدة باكستان النووية كما كانت في الماضي، ويسهم نجاح الهند في أريهانت في تقوية قرارها، وفي حين لا توجد نية لتجاوز هذه الخطوط فإن معرفة نيودلهي بها بشكل أفضل يساعدها في تخطيطها الاستراتيجي.

ويوجد قدر أكبر من التداعيات لهذا الهجوم يتجاوز المسألة النووية، فهناك قوى سياسية محلية تنشط أيضاً، و2019 هو عام الانتخابات في الهند، حيث أظهر حزب بهاراتيا جاناتا وهو حزب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي درجة من الأداء الضعيف في عدد من الانتخابات المحلية في الآونة الأخيرة مما ألقى بظلال الشك على قدرته على التمسك بالسلطة في الانتخابات الوطنية في شهر مايو المقبل.

وكما شاركت روسيا في الحرب في سورية لتجنب المتاعب الاقتصادية الداخلية فقد يجد مودي أن من المفيد من الناحية السياسية إثارة النزعة القومية الهندوسية قبل نحو شهرين من موعد الانتخابات.

ولكن في هذه الحالة تعتبر التقنية ذات صلة جيوسياسية بقرارات مودي، كما أن التقنية تستطيع التأثير في العقائد التي تستطيع التأثير في أنواع الأعمال التي ترغب الدول في استخدامها في قواها التقليدية.

وفي حالة جنوب آسيا سوف تستمر الأسلحة النووية التي تملكها الهند وباكستان في الحد من خطر اندلاع حرب تقليدية واسعة، كما تسمح لباكستان باستفزاز الهند من دون خوف من ضربة انتقامية برية واسعة النطاق.

الأسلحة النووية التي تملكها الدولتان ستستمر في الحد من خطر اندلاع حرب تقليدية واسعة

كما شارك بوتين في الحرب في سورية لتجنب المتاعب الاقتصادية فقد يجد مودي أن إثارة النزعة القومية الهندوسية تفيده سياسيا