صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4491

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ناشر «نيويورك تايمز» آرثر غريغ سولزبيرغر:

لعمل صحافي متقن لا مكان للطرق المختصرة!

  • 20-02-2019

في هذه المقابلة، يناقش آرثر غريغ سولزبيرغر، ناشر صحيفة «نيويورك تايمز»، خلافه العلني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وانهيار الثقة بوسائل الإعلام، وصعوبة تكييف مؤسسة عمرها 167 عاماً مع تغيرات الزمن...

مرّت سنة على تولّيك منصب ناشر صحيفة «نيويورك تايمز». ما حجم الأعباء المُلقاة على عاتقك؟

إنها فترة بالغة الصعوبة بالنسبة إلى وسائل الإعلام. يتعرّض الصحافيون والصحافة عموماً للهجوم من القوى السياسية حول العالم. بدأت الثقة في وسائل الإعلام تنهار، وتشهد نماذج العمل تغيرات بارزة. يجب أن يقلق من هذا الوضع كل من يهتم بقطاع الصحافة. لكني لا أشعر بثقل الأعباء المُلقاة على عاتقي شخصياً.

تصدر صحيفة «نيويورك تايمز» منذ 167 عاماً، وأنت خامس فرد من عائلة أوكس سولزبيرغر يستلم منصب الناشر. هل تخشى الفشل؟

في آخر سنتين، نجحت صحيفة «نيويورك تايمز» في تطوير مفهوم واضح عن رؤيتنا المتعلقة بما ستؤول إليه الصحيفة مستقبلاً. لدينا فريق قوي وقادر على تحقيق تلك الرؤية: دين باكيت هو أفضل محرر تنفيذي في هذا القطاع، وأعضاء غرفة الأخبار أقوياء جداً، مثل فريق عملنا تماماً. لذا لا أظن أن شخصاً سيتحمل أعباءً كثيرة وحده.

الرئيس

هل أسهم هجوم دونالد ترامب المتواصل في توثيق الروابط بين فريق العمل كله؟

زادت قوة الروابط بين أعضاء هذا الفريق نتيجة المخاوف العميقة والمتزايدة من احتمال أن تنهار رؤيتنا الرامية إلى تقديم عمل صحافي عالي الجودة في أنحاء البلد وفي العالم كله أيضاً: أتكلم عن الصحافة التي تتطلب الوقت والسفر والخبرة والمحامين والتحقق من الوقائع. أصبح الوقت والموارد أبرز عاملَين معرّضَين للخطر في مهنتنا اليوم. تحاول «نيويورك تايمز» أن تقود المعركة لإثبات قدرة هذا النوع من الصحافة على المضي قدماً في العالم المعاصر. هذه هي مهمّتنا!

ألا أهمية لهجوم ترامب المتواصل؟

ملتزمون بتغطية أخبار هذه الإدارة مثلما كنا نغطي كل إدارة أميركية: بأسلوب منصف وقوي!

في منتصف يوليو الفائت، دعاك الرئيس إلى البيت الأبيض لإجراء محادثة غير رسمية قبل أن يعود ويعلن ذلك اللقاء لاحقاً عبر «تويتر» ويكرر هجومه على «نيويورك تايمز». هل كان ذلك اللقاء أهم حدث في مسيرتك كناشر حتى الآن أم نقطة سوداء فيها؟

ولا واحد منهما! بل كان اللقاء مجرّد جزء من عملي. نظراً إلى طبيعة منصبي، يمكن اعتباري أشبه بمحكمة استئناف: كل من يتلقى تغطية قاسية يستحق فرصة للتعبير عن مخاوفه بشأن طريقة تغطيتنا الصحافية، سواء كان ذلك الطرف موقع «فيسبوك» أو رئيس الولايات المتحدة أو أية جهة أخرى.

ما الذي كنت تتوقعه من اللقاء؟

كان ترامب لاذعاً جداً في انتقاده صحيفة «نيويورك تايمز» كما تعلمون. حتى أنه استعمل لقباً لوصفنا.

قال «نيويورك تايمز الفاشلة»!

نعم. لذا افترضتُ أنني سأسمع منه بعض التذمر بشأن طريقة تغطيتنا أخباره. لكن كانت المحادثة متحضّرة. طرح بعض المخاوف العرضية ولكنه لم يتكلم بطريقة مباشرة. أظن أن ذلك اللقاء كان بالنسبة إليه مجرّد فرصة للتلاقي.

يتمسّك المحرر التنفيذي، دين باكيت، بقاعدة ذهبية تقضي بعدم التكلم مع أي رئيس بطريقة غير رسمية. لماذا وافقتَ إذاً على إجراء محادثة سرية مع ترامب؟

دين باكيت أهم قائد للصحافيين في هذه الشركة، ولا شك في أن قاعدته منطقية في غرفة الأخبار. لكنّ عملي مختلف. لما كنت الناشر، فيمكن اعتباري الرئيس العام للصحيفة. بالنسبة إليّ، كان ذلك اللقاء فرصة كي أعبّر للرئيس عن مخاوفي بشأن خطابه الذي يزداد خطورة عن وسائل الإعلام باعتبارها «عدوّة الشعب»، وعن أثر هذه الكلمات وانعكاسها الإيجابي على الحكام الدكتاتوريين حول العالم.

هل شعرتَ بأنه كان يصغي إليك فعلاً؟

تظاهر بأنه يصغي إليّ باهتمام. لم أسجّل اللقاء، لكنه قال عبارات مثل «هذا ليس جيداً» و«جعلتني أفكر الآن». كان يستحيل ألا نستنتج أنه سيفكر جدّياً بالتراجع عن مواقفه.

لكن بعد مرور بضعة أيام، عاد يحارب «نيويورك تايمز» على «تويتر». هل شعرت بأنك تعرضت للاستغلال وكنت جزءاً من استعراض ترامب؟

لا، بل كنت مسروراً لأن تلك المحادثة كُشِفت للعلن. اليوم، يدرك العالم على الأقل أنه تلقى إنذاراً مباشراً، وجهاً لوجه، وأن نوع الخطابات التي يستعملها سيعطي عواقب وخيمة. بدأنا نشاهد تلك العواقب منذ الآن.

هل اتصل بك الرئيس منذ ذلك الحين؟

تواصل معي ودعاني إلى عشاء غير رسمي. لكني رفضتُ قائلاً إنني أفضّل إجراء مقابلة رسمية تشمل اثنين من مراسلينا. فوافق على طلبي.

كيف تفسّر الردود الإيجابية على هجوم ترامب على الصحافة، علماً بأنها لا تصدر من مناصريه فحسب؟ وأي دور تؤديه وسائل الإعلام في انهيار الثقة بهذا الشكل؟

لا أستطيع أن أخترق عقول جميع الناس، لكن يجب ألا نعترف بانهيار الثقة بوسائل الإعلام فحسب، بل بتوسّع الانقسام السياسي أيضاً. بالنسبة إلى وكالة إخبارية تتباهى باستقلاليتها وحياديتها، يطرح هذا الوضع مشكلة حقيقية.

لا يعتبر ناخبو ترامب صحيفتك حيادية. كيف تستطيع استرجاع ثقتهم؟

يجب أن نحسّن طريقة تفسيرنا الجهود الاستثنائية التي نبذلها للتأكد من أنّ كل ما ننشره عادل ودقيق، وأننا لم نكتفِ مثلاً بالتكلم مع الأشخاص الثلاثة المذكورين في المقالة بل مع عدد أكبر بكثير. حين دعونا فريق الأفلام الوثائقية من شبكة «شوتايم» إلى مبنى صحيفتنا، سألتُ دين عن السبب الذي جعله يتخذ هذا القرار رغم الضغوط التي كانت غرفة الأخبار تتعرّض لها. فأجابني: بحسب رأيي، يستحيل أن يرى أحدٌ الصحافيين لدينا، من أمثال مارك مازيتي وماغي هابرمان وغيرهما، وهم يعملون من دون أن يكسبوا الاحترام على ما يفعلونه.

ألا تشارك وسائل الإعلام، بما في ذلك «نيويورك تايمز»، في برنامج الواقع الذي يقدّمه ترامب عبر تكرار ما يقوله ويغرّده باستمرار؟

لنبدأ بتصحيح عبارة «وسائل الإعلام». هذه العبارة تطرح إشكالية بحسب رأيي. تعمل القنوات الإخبارية بناءً على مجموعة معايير تختلف بالكامل عن معظم الصحف الرقمية والتقليدية. يفتقر عدد كبير من «وسائل الإعلام» إلى الموارد التي تضطر «نيويورك تايمز» إلى التقصي عنها بعمق. احتاجت مقالتنا عن ثروة الرئيس ومناوراته الضريبية إلى 18 شهراً وثلاثة مراسلين بدوام كامل، وقد عمل معهم جيش من المحررين والمحامين الذين أسهموا في طرح تلك القصة للعلن. يختلف هذا العمل عن ظهور مجموعة من الخبراء بعد خمس دقائق على خطاب الرئيس للتعبير عن موافقتهم أو معارضتهم له.

تُعلَّق صور مُوقّعة من الرؤساء الأميركيين في غرفة مجلس إدارة «نيويورك تايمز». وقّع الرئيس السابق ريتشارد نيكسون صورته مع الكلمات التالية: «إلى «نيويورك تايمز»: البعض يقرأها ويحبها، والبعض يقرأها ولا يحبها. لكنّ الجميع يقرؤونها». حين زار ترامب مكاتب الصحيفة منذ سنتين، أخذه والدك إلى صورة نيكسون وقال له: «كان هذا آخر رئيس يعبث مع الصحافة الحرة. تذكّر نهايته». هل كتب ترامب أية ملاحظة على صورته؟

نعم! كتب: «آرثر، سرّني لقاؤك، اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً. مع أطيب الأماني»! صور الرؤساء تقليد قديم في صحيفة «نيويورك تايمز». عاصرنا حكومات كثيرة وترامب رئيس آخر نغطّي أخباره.

مسؤولية ومسيرة

تُعتبر عائلة سولزبيرغر واحدة من آخر العائلات المحلية التي حافظت على صحيفتها رغم المخاطر الاقتصادية المطروحة. كيف تشعر بعدما ورثتَ هذه المسؤولية الكبرى؟

إنه إرث حقيقي. حقق والدي إنجازاً استثنائياً خلال عهده الذي دام 25 عاماً كناشر، فجعل صحيفة «نيويورك تايمز» أقوى مما كانت عليه حين استلمها، وزاد عدد الصحافيين فيها بدل أن يُخفّضه. مُصمّم على تحقيق النجاح كي أثبت أن مستقبل الصحافة التي نمتهنها واعد. يثبت الازدهار الذي حققناه في السنوات القليلة الماضية أن الناس مستعدون لدفع المال مقابل أية صحافة عالية الجودة.

بدأتَ مسيرتك الصحافية في صحيفتَي «ذي بروفيدنس» و«أوريغونيان». كيف كان التعامل معك هناك نظراً إلى اسم عائلتك المعروف؟

أشعر بأنني تلقيتُ معاملة لطيفة في كل مرحلة من مسيرتي. لطالما أردتُ أن أُعرَف بعملي لا بشهرتي.

قد يصعب عليك أن تتهرب من اسم عائلتك في عالم الصحافة الأميركية.


في إحدى المرات، أخذني أحد المحررين في صحيفة «أوريغونيان» جانباً وقال لي: «الصحافة واحدة من مِهَن قليلة حيث لا أحتاج إلى مقابلة الشخص كي أكتشف مدى براعته في عمله. كل ما أحتاج إليه هو تكديس مجموعة من الملفات على مكتبي». حاولتُ أن أثبت استعدادي لإتمام أية مهمة موكلة إليّ ولبذل قصارى جهدي كي يعبّر عملي عني. عاملني زملائي كأي مرسل آخر، لذا شعرتُ بأنني مراسل عادي. لم تكن تلك التجربة صعبة بالنسبة إليّ. بل كنت أستمتع بعملي وأشتاق إلى ذلك العمل اليوم.

لما كنت جزءاً من عائلة سولزبيرغر، هل كان امتهان الصحافة خيارك الشخصي؟

كانت عائلتي تؤكد دوماً حق جميع أفرادها في اختيار مسارهم بنفسهم. لذا لم أشعر يوماً بأي ضغوط كي أمتهن الصحافة. في معظم مراحل حياتي، لم أكن أظن أنني سأدخل هذا المجال.

ما كانت الخيارات البديلة؟

كنت أعتبر عالم المنظمات غير الربحية مثيراً للاهتمام. فكرتُ أيضاً بعالم السياسة، حيث لا أصبح سياسياً بل شخصاً يعمل وراء الكواليس.

ما الذي أعادك إلى عالم الصحافة في نهاية المطاف؟

في أيام الجامعة، كنت أعمل مع أستاذة تُعلّمني أسس الكتابة المستفيضة. كانت تعمل أيضاً كصحافية استقصائية في صحيفة «ذي بروفيدنس». كنت أستمتع بصفّها أكثر من أي صف آخر في الجامعة. أحببتُ عمق ذلك العمل وواقعيته وأُعجِبتُ بالدقة والمعايير التي أَضْفَتْها عليه. أحب جوانب كثيرة من العالم الأكاديمي، لكن حين نفهم فحوى النظرية التي يدافع عنها الأساتذة، يصبح العمل بالغ السهولة. لإنتاج عمل صحافي متقن، لا مكان للطرق المختصرة! يجب أن نخرج إلى العالم ونبذل جهوداً شاقة. في نهاية دراستي الجامعية، عرضت عليّ تلك الأستاذة التدرّب في صحيفة «ذي بروفيدنس»، وأخبرتني بأنني إذا لم أحب التجربة، سأعرف بسهولة. لكني أحببتُ هذا المجال فعلاً ولم أنظر إلى الوراء بعد ذلك.

إشاعات

في عام 2009، اضطرت عائلة سولزبيرغر إلى بيع جزء من أسهم شركة «نيويورك تايمز» للملياردير المكسيكي كارلوس سليم لضخ المال في الصحيفة. ومنذ بضع سنوات، سرت إشاعات عن بيع الصحيفة لرئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ. هل خشيتَ في أية مرحلة ألا تعود العائلة مالكة لمعظم الأسهم في الصحيفة؟

لا، لم نفكر أو نقلق بهذا الشأن يوماً. عائلة سولزبيرغر ملتزمة بالمؤسسة بالكامل. كانت الرؤية الثابتة التي نشرتها العائلة في المؤسسة كفيلة بجعلنا نسجّل نمواً غير مسبوق فيما تشهد منظمات صحافية كثيرة تراجعاً كبيراً. التزامنا بالصحيفة مستمر ولم يسبق أن تأثّر سلباً لأي سبب.

لم تكن أي من إشاعات البيع صحيحة إذاً؟

لا أتذكر أي إشاعات عن عرض الصحيفة للبيع. تسري إشاعات دوماً عن رغبة كثيرين في شرائها. إنهما أمران مختلفان. يجب أن نتوقع سماع هذه الإشاعات في المستقبل المنظور لأن «نيويورك تايمز» تبلي حسناً على المستويين الصحافي والاقتصادي معاً.

في إحدى ندوات النقاش في السنة الماضية، سُئلتَ عما ستفعله إذا أعطاك ملياردير مليار دولار.

كان جوابي كالتالي: «نيويورك تايمز» ليست للبيع، ويجب أن نجمع المليار دولار بنفسنا! هل تعلمون ما كان يجب أن أقول؟ نحن نحصد مليار دولار كل سنة... من قرائنا! أفضّل هذا المصدر على أموال الملياردير، مع كل ما يرافقه من مشاكل ومصالح متضاربة. نستثمر أموال القراء في غرفة الأخبار التي أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى. يستفيد قراؤنا من هذا الوضع.

ثوابت

في عام 2014، ترأستَ فريقاً تولى إعداد مسودة «تقرير الابتكار» الذي طرح صورة قاتمة عن وضع الصحيفة. حذّر التقرير من احتمال أن يتفوق المنافسون الرقميون، مثل «هافنغتون بوست» أو «بازفيد»، على «نيويورك تايمز». إذا تسنّى لك أن تكتب تقريراً جديداً اليوم، كيف كنت لتصف الوضع الراهن للصحيفة؟

وضعنا أفضل مما كنت أتمنى بكثير. في تلك الفترة، كان عدد قرائنا يتقلّص واستقر نمو المشتركين بالصحيفة. ساد نظام طبقي في غرفة الأخبار التي شملت صحافيين تقليديين تليهم طبقة أقل مستوى من الأشخاص الذين يهتمون بالشؤون الرقمية. حتى أن هذا الفريق لم يكن يستطيع أن يحمل بطاقات عمل كي لا يظن الناس أنهم صحافيون حقيقيون كما قيل لهم. بالغت استراتيجيتنا في التركيز على الطباعة والإعلانات. اليوم، نحن نصل إلى 150 مليون شخص في الشهر، ولدينا 4 ملايين مشترك يدفعون المال شهرياً، أي ما يساوي على الأرجح أكثر من ضعف العدد الذي كنا نحصده عند صدور «تقرير الابتكار». لكن يشهد العالم وقطاعنا تغيّراً متسارعاً، لذا نضطر دوماً إلى التساؤل عن فاعلية ما نفعله وللتكيّف مع المستجدات.

هل يمكنك أن تعطينا مثالاً على ذلك؟

يتعلق جزء من رسالتي للمؤسسة في آخر خمس سنوات بضرورة أن نتصالح مع أخطائنا وإخفاقاتنا. على مر سنوات عدة، كنا مقتنعين بأن المدونات الصوتية غير فاعلة لأننا جرّبناها ولم تنجح. كنا نصدر مدونة صوتية إخبارية يومياً على شكل مراسل يقرأ الصفحة الأولى بصوت مرتفع. في يناير 2017، ابتكرنا مدوّنة «ذي ديلي» التي أصبحت الآن أهم مدونة صوتية يتم تنزيلها في البلاد، وهي تصل يومياً إلى أشخاصٍ يفوق عددهم جميع قراء الصحيفة.

كيف تستطيع التوفيق بين تقاليد مؤسسة عمرها 167 عاماً وبين الحاجة المستمرة إلى التغيير والتأقلم؟

يتعلق أهم عامل بفهم الجوانب التي لا تتغير. إذا كانت المسائل كافة قابلة للتغيير والنقاش، فلا سبب يدعونا إلى النجاح. ستتمكن حينها شركات أخرى أو أشخاص أصغر سناً وأكثر تعطشاً للنجاح من إحراز التقدم والتفوق علينا. لكن من خلال تحديد الثوابت، سنكسب ثقة إضافية لتقبّل التغيير.

ما هي الثوابت التي يجب ألا تتغير في الصحيفة؟

إعداد تقارير مميزة، وطريقة تغطية الحوادث ميدانياً، والعمل الصحافي المستقل والمنصف، والصحافة المبنية على الخبرة وأعلى درجات الاستقامة... هذه هي ركيزة ما نفعله! في المقابل، تتغير العوامل المحيطة بهذه الأسس، أي طريقة سرد تلك القصص وطرحها.

كانت مدونة «ذي ديلي» آخر ابتكار مهم لك. ما هي خطتك المقبلة؟

نعمل على إطلاق برنامج تلفزيوني اسمه «ذي ويكلي» خلال أشهر. أثبتت مدونة «ذي ديلي» أن النوع الذي نقدّمه من الصحافة المطبوعة والإلكترونية قد ينجح أيضاً في الوسائل السمعية ويصل إلى جماهير شابة وجديدة بالكامل. بفضل البرنامج التلفزيوني، أظن أننا نستطيع تكرار الإنجاز نفسه. لم تُطرَح أعمال صحافية جدية في هذا القطاع، وأظن أن الناس يرغبون فيها. التلفزيون جزء آخر من استراتيجيتنا إذاً.

مستقبل الصحافة

هل من مستقبل للصحافة المطبوعة؟

أظن أن الصحافة المطبوعة ستستمر أكثر مما يتوقع معظم الناس. يدفع مليون شخص المال مقابل الصحف الورقية، ما يعني أنهم يشكلون قاعدة وفية من القراء ويخصصون وقتاً طويلاً لقراءة الصحف كل أسبوع. أضف إلى ذلك أن هذا المجال لا يزال مرتبطاً بقطاع إعلاني واسع ومُربِح. ما دام الناس يريدون قراءة الأخبار في صحف مطبوعة، أتمنى أن نتمكن من متابعة تقديمها لهم بهذه الطريقة.

ألا تعرقل الصحف المطبوعة استراتيجيتك الإلكترونية؟

لا، لكنّ أكبر تغيير خاضته هذه الشركة في آخر خمس سنوات يتعلق بعدم حصر عملنا بالمطبوعات، بل إننا تحولنا إلى منظمة إخبارية رقمية تُصدِر في الوقت نفسه صحفاً مطبوعة. لا يمكننا أن نتكل على الصحف المطبوعة لتحقيق طموحاتنا الصحافية في المستقبل القريب. يجب أن تتمكن العائدات الرقمية من تمويل مكاتبنا في العراق أو أفغانستان ورحلاتنا إلى الجبهات في اليمن، ويجب أن تدعم عملنا الذي امتد على 18 شهراً لاستكشاف الوضع المادي للرئيس وتُموّل مكتب واشنطن الذي يشمل 100 مراسل. لذا يصبّ تركيزنا على جني المال في القطاع الرقمي.

طوال سنوات، كلّفت «نيويورك تايمز» محرراً عاماً بالتعبير عن صوت القراء، فكان ينتقد طريقة تغطية الأخبار، حتى أنه كان ينشر انتقاده في الصحيفة. لكن اختفى ذلك الدور في مايو 2017. هل كانت هذه الخطوة حكيمة في ظل انهيار الثقة في الصحف؟

ظهر دور المحرر العام في الحقبة التي سبقت نشوء «فيسبوك» و«تويتر»، أي حين كان يصعب على الناس التواصل مع غرف الأخبار والتعبير عما يقلقهم. لكننا لم نعد نعيش في تلك الحقبة. اليوم، تتعدد الطرائق التي تسمح بالتواصل مع المراسلين والمحررين لرفع صوت الناس.

لكن ألا توجد حاجة إلى شخصٍ للتعامل مع الانتقادات المنتشرة عبر «تويتر» و«فيسبوك»؟

بسبب دور المحرر العام تحديداً، كان غريباً أن تجد المؤسسة صعوبة إضافية في تقبّل حاجتنا جميعاً إلى التحاور مع قرائنا. يعمل 1500 صحافي في «نيويورك تايمز». لذا من السخافة أن يجيب واحد منهم فقط على القراء. لن تكون الاستعانة بالمحرر العام، الذي يحتاج إلى خمسة أيام ليقرر ما إذا كانت المسألة المطروحة قوية بما يكفي كي يكتب عنها في «نيويورك تايمز»، طريقة ممتازة للتواصل مع القراء في الحقبة المعاصرة. إذا كانت إحدى القصص مثيرة للجدل وتتطلب تفسيراً معيناً، فيُفترض أن يصدر ذلك التفسير عن المراسلين والمحررين في الوقت المناسب.

قطاع يرتكز على الثقة

في عام 2003، اكتشفت «نيويورك تايمز» أن المراسل جايسون بلير اختلق القصص واخترع الاقتباسات وسرق مواد من صحف أخرى على نطاق واسع. تواجه صحيفة «دير شبيغل» الآن فضيحتها الخاصة بسبب كلاس ريلوتيوس. اخترع هذا المراسل السابق عدداً كبيراً من قصصه أيضاً. أية نصيحة يقدمها آرثر غريغ سولزبيرغر في هذا المجال؟ يقول: «قرأتُ عن هذا الموضوع طبعاً، لكني لا أعرف تفاصيل كافية عن هذه القضية كي أقدم نصائح عظيمة. نعمل في قطاع يرتكز على الثقة. لا شيء أهم من اكتساب ثقة قرائنا. في اللحظة التي بدأنا ندرك فيها وجود خطب في قصص بلير، كلّفنا عدداً من أفضل مراسلينا وأكثرهم شجاعة باكتشاف حقيقة ما يحصل. جعلنا عملهم مستقلاً بالكامل عن إدارة غرفة الأخبار ثم نشرنا تلك النتائج. كانت واحدة من أطول القصص التي نشرناها يوماً. في النهاية، يبقى الالتزام بالشفافية وبمحاسبة المذنبين، لا سيما عند وقوع الأخطاء، بالغ الأهمية».

* إيزابيل هولسن و مارك بيتزكي

خطابات دونالد ترامب تعطي عواقب وخيمة

نركّز على جني المال في القطاع الرقمي

الصحافة المطبوعة ستستمر أكثر مما يتوقع معظم الناس

تحولنا إلى منظمة إخبارية رقمية تُصدِر في الوقت نفسه صحفاً مطبوعة