صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4196

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

خصخصة القطاع النفطي بين مخاطر التنفيذ وتحدي الجاهزية

تجربة محطات الوقود لم تنجح وكشفت فوضى عدم التنسيق بين مؤسسات الدولة

أكد خبراء مختصون في شؤون النفط، في حديثهم لـ«الجريدة»، أن فكرة تخصيص القطاع النفطي ليست جديدة، لكنها افتقرت إلى المهنية في التطبيق، مما أفشل الفكرة برمتها، ورغم ذلك فإن البعض يرى أن هناك قطاعات جاهزة للتخصيص، من خلال شراكات استراتيجية عالمية تنقل التكنولوجيا وتصقل خبرات الكوادر الوطنية، مما يخلق قيمة مضافة للقطاع النفطي المحلي ويعزز مكانته العالمية، وفيما يلي التفاصيل:

بداية، قال رئيس مجلس إدارة شركة خدمات حقول النفط والغاز حسام معرفي إنه قبل سنتين تقريبا تم طرح فكرة خصخصة القطاع النفطي، بعد مناقشات حكومية عديدة، لطرح عدد من الشركات النفطية الكويتية للاكتتاب، بحيث تشمل شركات الخدمات والوظائف الجانبية، مثل الاستكشافات البترولية الخارجية والبترول العالمية وناقلات النفط وصناعة الكيماويات البترولية، إذ إنها من منظور اقتصادي محاسبي إما أن الدولة تتحمل تكلفة عالية أو ثقلا وظيفيا إداريا يجب أن ينظم عن طريق قطاع خاص.

ضخ أموال

واضاف معرفي: «عادة تلجأ الحكومات إلى إجراءات الخصخصة لعدة أسباب، منها الحاجة إلى ضخ أموال لإجراء الاصلاحات الاقتصادية أو أسباب مرتبطة بالعجز في الميزانيات، وانخفاض الأرباح المالية السنوية كما هو الحال في شركة الاستكشافات البترولية الخارجية وشركة البترول العالمية وشركة ناقلات النفط، حيث تعاني هذه الشركات الخسائر المالية وانخفاض أرباحها، بسبب انخفاض أسعار النفط وعدم جدوى بعض المشاريع وارتفاع تكلفتها.

وأشار إلى أن هناك قطاعات مجدية ومربحة لا يجب خصخصتها في الوقت الحالي إلا بوجود شركات أخرى منافسة حتى لا يتأثر المستهلك.

مواجهة الأسعار

وأوضح معرفي أن الدولة واجهت انخفاض أسعار النفط خلال السنوات الاربع الماضية والعجز المالي باتخاذ عدة إجراءات اقتصادية ساهمت في تخفيف الضغط على الموازنة العامة، منها تخفيض المصروفات وترشيد الإنفاق والخصخصة ومشاريع الطاقة البديلة.

وذكر ان السؤال الذي يطرح نفسه: هل الوقت مناسب لخصخصة القطاع النفطي، في ظل الأسعار المنخفضة، وخصوصا لقيمة الشركات التي تم ذكرها سابقا وتعاني انخفاضا في أرباحها السنوية؟ أظن أن الاجابة، حسب المعطيات، يجب أن تكون بالرفض، كون الدولة ستبيع أصلا يساوي مليارات بسعر رخيص.

وأكد ضرورة الانتظار والقيام بإعادة هيكلة القطاع النفطي ودمج الشركات النفطية ذات الصلة والطابع المتشابه والنشاط الواحد، ومثال على ذلك دمج شركة نفط الكويت المسؤولة عن البحث والتنقيب واستخراج وإنتاج النفط مع شركة نفط الخليج وشركة الاستكشافات البترولية الخارجية، وهذا بدوره سينفض الغبار وستتضح الرؤية ويعكس القيمة الحقيقية العالية لهذا القطاع ومن ثم التقييم.

عودة القطاعات

ولفت معرفي إلى أنه «يجب ألا ننسى كذلك اننا بصدد عودة قطاعات اخرى للكويت للعمل بها، حيث ستنضم شركتا نفط الخليج الخفجي والوفرة، إضافة الى شركة كوفبيك، والبترول الوطنية الكويتية، التي ستعود إليها مصفاة الزور، ولذلك فإن هذه العودة تعد ضخمة ومتشعبة ويجب التنظيم والتركيز وخلق كيان جديد مطور».

وأوضح أن الهدف الرئيسي من إنشاء محطات الوقود بالكويت هو إشراك القطاع الخاص في تنمية البلاد وتخفيف أعباء الضغط الوظيفي عن الحكومة، واعتبرها بعض الاقتصاديين تجربة فاشلة استفاد منها بعض المستثمرين بالبلد، وتم الاحتكار على بعض الشركات والاعتماد على العمالة الآسيوية مقابل تقليل العمالة الكويتية لخفض الكلفة على المستثمر وتحقيق زيادة في الأرباح من خصخصة القطاع النفطي.

فشل المشروع

من جهته، أفاد الخبير الاستشاري النفطي د. عبدالسميع بهبهاني بأن فكرة خصخصة القطاع النفطي قديمة، منذ أكثر من 15 سنة، لكنها فشلت لأنها لم تطرح بصورة مهنية مقنعة، مما يدل على عدم مهنية واضعيها، إذ إنهم فشلوا في إيصالها إلى أصحاب القرار.

وأعرب بهبهاني عن اعتقاده بأن فشل مشروع الخصخصة في حينها كان أكاديميا، لأنه لم يراع الأعراف الاجتماعية والنظم المؤسساتية المتبعة في استراتيجية الدولة؛ مبينا أن المشروع كان ينقصه نظام الشفافية والحوكمة والاحتكار، هذا من الناحية الحكومية، أما من ناحية القطاع الخاص فتمثيلها كأقلية لا صوت لها في اتخاذ القرار كان مقلقا لها.

تسويق المنتجات

وأشار بهبهاني إلى أن هناك قطاعات نفطية حكومية تفيدها الخصخصة، منها المصافي والبتروكيماويات في تسويق منتجاتها، وللاستفادة من نفوذ الشركات وكذلك شركات الحفر تفيد في نقل الخبرة والتكنولوجيا، الاستكشافات الخارجية فتستفيد من خبرة الشركاء، والناقلات أخيرا تستفيد من حماية الشريك في تأمين الصادرات النفطية المهددة.

وبين أن الخصخصة كفكرة عامة لها فوائد كثيرة، فهي ضمانة اجتماعية إضافية لرفعة المجتمع، وكذلك الحوكمة أيضا التي هي من مفاخر العمل المؤسسي للكويت يجب أن تقنن بطريقة بحيث تكون للمستثمر المشارك في رأسماله حق في اتخاذ القرار بمشاركة رأسمال الشعب المضمون، وهو «النفط»، فلا يرضى القطاع الخاص أن يدفع بأمواله ولا يتخذ قرارا فيها، أي أنه مجلس في الخلف لتتخذ الحكومة فقط القرارات.

وتابع: «من هنا فإن نظام الحوكمة في مجالس الإدارات يجب أن يعاد تقنينه انطلاقا من هذه الفلسفة»، لافتا إلى أن قانون الاحتكار أيضا، ورغم قوته، لا يفعل بقوة القانون الرقابي للمجلس والقضاء، فتجد شركات معدودة قليلة تستحوذ على أغلب العقود، مما سبب نقص كفاءتها وعدم اكتراثها لعدم وجود المنافسة.

العمالة الكويتية

وقال بهبهاني: «أعتقد أن العمالة الكويتية عمرها المهني قصير لسببين أساسيين: حالة الإحباط التي تعانيها لتسييس المناصب والتعيينات التــــــي لا تستند إلى مبدأ الكفاءة، والسبب الآخر حرمانها من الفرص لاتخاذ قرارها الذاتي وتقييم عثراتها ومكافأتها المنصفة للنجاح».

وألمح إلى أن العامل الكويتي في القطاع النفطي يملك الخبرة في إدارة أي مشروع نفطي، لوجود الأساسات في عقله وخبرته، لكنه يحتاج الى ثقة الدولة به.

وأعرب عن تصوره أن مشروع محطات الوقود ليس في مستوى الهدف من الخصخصة، فقد ظهرت من خلاله فوضى عدم التنسيق بين مؤسسات الدولة، فظل الشريك في القطاع الخاص يستفيد من القانون ببيع جالون البنزين المدعوم الرخيص، دون أن يقدم الخدمة المناسبة للمستهلك، وذلك لعراقيل المجلس البلدي الذي ادخل تشريعات جديدة على المقاول، مما أدى إلى تأخير انطلاق المشروع بالصورة المقررة، ومن المشاريع الأخرى شركة الحفر التي لم تحقق الهدف من نقل التكنولوجيا والتوظيف وحتى شركة «الداو» وشراكتها مع البتروكيماويات وخروجها الذي لم يترك أي أثر إيجابي للمشروع.

وأوضح أن فشل هذه الشراكات السهلة مع المؤسسات الحكومية جاء لأسباب عدة، منها فقدان النظام العملي للشفافية، الذي كان ضعيفا ومازال في رقابة مشاريع مؤسسات الدولة؛ وكذلك قانون الاحتكار رغم جودته لكن عدم تفعيله قضائيا جعله هشا ما افقد الشركات همة المنافسة.

‏‫

شركة إيكويت

من جانبه، ذكر الخبير النفطي كامل الحرمي أن هناك شركات نفطية مخصخصة بالفعل أو جزء منها، ومنها شركة ناقلات النفط وشركات البتروكيماويات، فضلا عن بعض المصافي، وإن كانت الحكومة تشارك بنسبة في تلك الشركات الخاصة.

وأضاف الحرمي أن هناك شركات خاصة يحتذى بها، مثل شركة إيكويت التي تدر على الميزانية سنويا نحو مليار دولار؛ مشيرا إلى شركة الاستكشافات البترولية الخارجية كوفبيك.

صقل الخبرات

وبين الحرمي أن الاعتماد على التكنولوجيا العالمية عبر شراكة استراتيجية سيضيف خبرات الى الكوادر الوطنية، ويصقل الخبرات الموجودة بالقطاع من الأساس؛ «وعليه فإننا بحاجة ماسة الى عقد شراكات عالمية في إطار التخصيص لأنها تكسبنا التقنيات العالية والمتطورة».

وأشار إلى أنه من الممكن أن تكون الخصخصة كاملة أو أن تمتلك الحكومة السهم الذهبي في كل الشراكات.

أهداف التنمية

إلى ذلك، قال أستاذ التمويل في الجـامعـة العربـــية المفتــوحة د.عواد النصافي: «لا نستطيع الجزم بأن الخصخصة بمفهومها العام ستنجح وتحقق أهداف التنمية في البلاد، إلا أن خصخصة بعض القطاعات الخدمية والمساندة في القطاع النفطي مهمة لضبط التكاليف من ناحية وسرعة الانجاز وتقديم خدمات افضل من ناحية أخرى».

واضاف النصافي أن الخصخصة بشكل عام في القطاع النفطي اخذت توجها آخر، من خلال زيادة أعداد المقاولين من القطاع الخاص في القطاع النفطي، وتنفيذ أعمال البنية التحتية والخدمات المساندة، مما ساعد في زيادة إسهامات القطاع الخاص بالسوق النفطي، وزيادة خبرته في مثل هذه الاعمال.

المشروعات الكبرى

ولفت النصافي الى أن المشروعات الكبرى لا يمكن تخصيصها بسهولة لكبر حجم رأس المال من ناحية، وضعف سيطرة الدولة عليها من ناحية اخرى، مبينا أن النفط هو عصب الدخل للدولة، ولا يمكن بأي حال خصخصته بشكل كامل.

وأردف ان المطلوب هو إنشاء شركات متوسطة متخصصة بمبادرة من القطاع النفطي، تساعد في دعم العمليات المساندة والخدمية، وتعطي فرصة للمشاركة فيها لجميع المواطنين حتى تحقق العدالة وزيادة الدخل.

وأشار إلى أن مثل هذه الشركات ستخلق فرص عمل للمواطنين في القطاع النفطي، وتكتسب خبرات في هذا المجال، مما يساعدها على النمو والانطلاق على المستويين الاقليمي والدولي.

قيمة مضافة

وألمح النصافي إلى أن مثل هذه المشروعات والمبادرات تخلق قيمة مضافة للاقتصاد وتحقق عدالة في التوزيع.

وأضاف أن خصخصة محطات الوقود كمثال لمبادرة القطاع النفطي، على الرغم من عدم وجود تنافسية سعرية فيما بينها، فإن هناك تنافسية خدمية لاستقطاب المستهلكين؛ موضحا أنها خففت تكاليف إدارتها عن الدولة، وخلقت فرصا وظيفية جديدة أكثر مما كانت عليه في السابق.

خبرات وتكنولوجيا

وأشار النصافي إلى أن نقل الخبرات والتكنولوجيا يمكن أن يتم من خلال الشراكات الاستراتيجية في القطاع النفطي مع شركات عالمية والاستفادة منها، وليس بالضرورة في تخصيص القطاع وإضعاف هيمنة الدولة عليه.

وشدد على أنه إضافة إلى مبادرة إنشاء شركات متوسطة للقطاعات المساندة والخدمية في القطاع النفطي فإن من المهم جدا التركيز على مشروعات البتروكيميكال والتوسع فيها وخلق شراكات استراتيجية تساعد على خلق قيمة مضافة واستفادة قصوى من الموارد النفطية، الامر الذي سينعكس على الوظائف ومصادر دخل جديدة تخلق تنمية مستدامة للدولة والمواطنين، مضيفا أن مثل هذه المشروعات تكون نوعية وشراكات بين الدولة والشركات المتخصصة في هذا المجال.

كامل الحرمي: هناك شركات يحتذى بها في نظام الخصخصة مثل «إيكويت» التي تدر سنوياً مليار دولار أرباحاً

عبدالسميع بهبهاني: أصحاب فكرة خصخصة القطاع فشلوا في إيصالها لمتخذي القرار لأنها لم تطرح بمهنية مقنعة

حسام معرفي: دمج الشركات النفطية المحلية سيعكس القيمة الحقيقية للقطاع على أن يتم تقييم التجربة

عواد النصافي: الشراكات الاستراتيجية تساهم في الاستفادة القصوى من الموارد النفطية وتنعكس على إيجاد وظائف

مطلوب إنشاء شركات متوسطة متخصصة بمبادرة من القطاع لدعم العمليات المساندة والخدمية

الخصخصة مهمة لضبط التكاليف من ناحية وسرعة الإنجاز وتقديم خدمات أفضل من ناحية أخرى

الهدف الرئيسي من إنشاء محطات الوقود بالكويت هو إشراك القطاع الخاص في تنمية البلاد وتخفيف أعباء الضغط الوظيفي عن الحكومة