صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4271

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حقيبة اقتصادية مختلطة لعام 2019

  • 11-02-2019

قد تكون العوامل الإيجابية كافية لجعل هذا العام كريما نسبيا مع الاقتصاد العالمي، وإن كان ذلك الكرم معتدلا، ولكن إذا تحققت بعض السيناريوهات السلبية فقد يؤدي التباطؤ المتزامن في عام 2019 إلى توقف النمو العالمي وهبوط حاد في نشاط الأسواق في عام 2020.

بعد التوسع الاقتصادي العالمي المتزامن في عام 2017 أتى النمو غير المتزامن في عام 2018، عندما بدأت أغلب الدول بخلاف الولايات المتحدة تشهد تباطؤ النمو، والواقع أن المخاوف بشأن التضخم في الولايات المتحدة، ومسار سياسة بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي، والحروب التجارية الجارية، ومشاكل الميزانية والديون الإيطالية، والتباطؤ في الصين، وهشاشة الأسواق الناشئة، أدت إلى انخفاض حاد في أسواق الأسهم العالمية مع اقتراب نهاية 2018.

الخبر السار في بداية عام 2019 هو أن خطر الركود العالمي الصريح أصبح منخفضا، أما الخبر غير السار فهو أننا ندخل عاما يتسم بالتباطؤ العالمي المتزامن؛ فسوف يتراجع النمو إلى المستوى المحتمل في أغلب المناطق، وإلى ما دون المستوى المحتمل في بعض الحالات.

من المؤكد أن العام بدأ بارتفاع أسعار الأصول الخطرة (أسهم الولايات المتحدة والأسهم العالمية) بعد مجزرة الربع الأخير من عام 2018، عندما تسببت المخاوف بشأن رفع أسعار الفائدة الفدرالية والنمو في الصين والولايات المتحدة في انخفاض العديد من الأسواق، ومنذ ذلك الحين تحول بنك الاحتياطي الفدرالي نحو التوفيق المتجدد، وحافظت الولايات المتحدة على نمو قوي، وأظهر تيسير الاقتصاد الكلي في الصين بعض العلامات المبشرة باحتواء التباطؤ هناك.

ولكن هل تدوم هذه الظروف الإيجابية نسبيا؟ يتوقف هذا على عِدة عوامل: العامل الأول الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار هو بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي. الآن تثمن الأسواق وقفة السياسة النقدية التي يتبناها بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي للعام بالكامل، لكن سوق العمل في الولايات المتحدة تظل نشطة وقوية، وإذا تسارعت الأجور لكي تنتج تضخما معتدلا فوق 2%، فقد تعود المخاوف من رفع أسعار الفائدة مرتين على الأقل، وهو ما قد يصدم الأسواق ويؤدي إلى إحكام الظروف المالية، وهذا بدوره سيحيي المخاوف بشأن النمو في الولايات المتحدة.

ثانيا، مع استمرار التباطؤ في الصين، ربما يثبت المزيج المتواضع الذي تتبناه الحكومة من التحفيز النقدي والائتماني والمالي كونه غير كاف، نظرا للافتقار إلى ثقة القطاع الخاص والمستويات المرتفعة من القدرة الفائضة والروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة). وإذا عادت المخاوف بشأن التباطؤ في الصين إلى الظهور، فقد تتأثر الأسواق بشدة. من ناحية أخرى، من شأن استقرار النمو أن يجدد ثقة الأسواق.

من العوامل المهمة هنا التجارة، ففي حين أن تصعيد الصراع الصيني الأميركي قد يعوق النمو العالمي، فإن استمرار الهدنة الحالية عبر التوصل إلى اتفاق حول التجارة من شأنه أن يعيد الطمأنينة إلى الأسواق، حتى مع استمرار التنافس الجيوسياسي والتكنولوجي بين البلدين في التصاعد بمرور الوقت.

رابعا، يتباطأ النمو في منطقة اليورو، ويتبقى لنا أن نرى ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو نمو محتمل أدنى أو ما هو أسوأ. سوف تتحدد النتيجة من خلال المتغيرات على المستوى الوطني- مثل التطورات السياسية في فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا- وعوامل إقليمية وعالمية أوسع.

من الواضح أن الخروج البريطاني "الصعب" من الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يؤثر سلبا على ثقة الشركات والمستثمرين في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على حد سواء، وإذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على توسيع حربه التجارية إلى قطاع السيارات الأوروبي فإن هذا من شأنه أن يقوض النمو بشدة في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، وليس في ألمانيا فقط. وأخيرا، سيتوقف الكثير على أداء الأحزاب المتشككة في أوروبا في انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو الحالي، وهذا بدوره سيضيف إلى الشكوك المحيطة بخليفة رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي ومستقبل السياسة النقدية في منطقة اليورو.

خامسا، من الممكن أن تضيف السياسة المحلية المختلة في أميركا إلى أسباب عدم اليقين على مستوى العالَم. ويشير تعطيل الحكومة مؤخرا إلى أن كل المفاوضات المقبلة بشأن الميزانية وسقف الدين ستتحول إلى حرب استنزاف حزبية. وقد يؤدي- أو لا يؤدي- التقرير المنتظر من المستشار الخاص روبرت ميولر إلى إجراءات توجيه الاتهام إلى ترامب لعزله، وبحلول نهاية العام سيتحول التحفيز المالي الناجم عن التخفيضات الضريبية الجمهورية إلى عبء مالي ثقيل، وربما يفضي إلى إضعاف النمو.

سادسا، لا تزال أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وأماكن أخرى مرتفعة على نحو مبالغ فيه، حتى بعد التصحيح الأخير، ومع ارتفاع تكاليف الأجور، فقد يشكل ضعف هوامش العوائد والأرباح في الأشهر المقبلة مفاجأة غير مرحب بها. مع مواجهة الشركات المثقلة بالديون لاحتمال ارتفاع تكاليف الاقتراض القصير والطويل الأجل، وفي ظل احتياج العديد من أسهم الشركات التكنولوجية إلى المزيد من التصحيح، فلا يمكن استبعاد خطر حدوث موجة أخرى من العزوف عن خوض المخاطر وتصحيح الأسواق.

سابعا، قد تكون أسعار النفط مدفوعة إلى الانخفاض بفِعل وفرة منتظرة في المعروض، بسبب الإنتاج من الصخر الزيتي في الولايات المتحدة، واحتمال تغير النظام في فنزويلا (مما يؤدي إلى توقعات بزيادة الإنتاج بمرور الوقت)، وفشل دول الأوبك (منظمة الدول المصدرة للبترول) في التعاون بين بعضها لتقييد الناتج، ورغم أن أسعار النفط المنخفضة مفيدة للمستهلكين، فإنها تميل إلى إضعاف الأسهم الأميركية والأسواق في الاقتصادات المصدرة للنفط، مما يثير المخاوف بشأن تخلف الشركات في قطاع الطاقة والقطاعات المرتبطة به عن سداد ديونها (كما حدث في أوائل 2016).

أخيرا، ستتوقف توقعات العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة على أسباب عدم اليقين العالمية المذكورة آنفا، وتشمل المخاطر الرئيسة التباطؤ في الولايات المتحدة أو الصين، وارتفاع التضخم في الولايات المتحدة الذي لابد أن يتبعه إحكام السياسات من قِبَل بنك الاحتياطي الفدرالي، والحروب التجارية، وزيادة قوة الدولار، وانخفاض أسعار النفط والسلع الأساسية.

على الرغم من السحابة التي تخيم على الاقتصاد العالمي، فإنها لا تخلو من جانب مشرق يتمثل في دفع البنوك المركزية الرئيسة إلى تبني سياسات أكثر تساهلا، بدءا من بنك الاحتياطي الفدرالي وبنك الشعب الصيني، اللذين سرعان ما لحق بهما البنك المركزي الأوروبي، وبنك إنكلترا، وبنك اليابان، وبنوك أخرى. ومع ذلك فإن تبني أغلب البنوك المركزية مواقف متساهلة إلى حد كبير يعني أن الحيز المتاح للمزيد من التيسير النقدي يصبح محدودا. وحتى إذا لم تكن السياسة المالية مقيدة في أغلب مناطق العالَم، فإن الحوافز لا تأتي إلا بعد توقف النمو بالفِعل، وبعد تأخر كبير عادة.

قد تكون العوامل الإيجابية كافية لجعل هذا العام كريما نسبيا مع الاقتصاد العالمي، وإن كان ذلك الكرم معتدلا، ولكن إذا تحققت بعض السيناريوهات السلبية المبينة أعلاه، فقد يؤدي التباطؤ المتزامن في عام 2019 إلى توقف النمو العالمي وهبوط حاد في نشاط الأسواق في عام 2020.

* الرئيس التنفيذي لمؤسسة روبيني ماكرو أسوشيتس، وهو أستاذ في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك.

«نورييل روبيني*»