صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4049

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هدية ترامب لطالبان

  • 06-02-2019

في بحث أميركا عن خروج ينقذ ماء وجهها من المستنقع الأفغاني، تستعد ضمنيا لتسليم البلاد مرة أخرى إلى الجماعة الإجرامية نفسها التي طردتها من السلطة قبل سبعة عشر عاما.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، قامت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان وطرد حركة طالبان من السلطة، فأزالت بالتالي رابطة أساسية من روابط الإرهاب الدولي، ولكن الآن، انتهت الولايات المتحدة التي أرهقتها الحرب، والتي يقودها رئيس يريد أن يلوذ بالفرار، إلى إبرام اتفاق مؤقت ينصاع لشروط طالبان إلى حد كبير، وبهذا لم تنجح هذه الميليشيا المتطرفة التي كانت ذات يوم تؤوي تنظيم القاعدة، والتي تنفذ اليوم الهجمات الإرهابية الأشد دموية في العالَم، في تأمين الوعد بخروج القوات العسكرية الأميركية في غضون ثمانية عشر شهرا فحسب، بل تمكنت أيضا من ضمان طريق إلى السلطة في كابول.

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فها هي ذي الولايات المتحدة تتخلى مرة أخرى عن أفغانستان التي دمرتها الحرب، تماما كما فعلت قبل ثلاثة عقود من الزمن في أعقاب عملية سرية ناجحة نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لإجبار السوفيات على الخروج من أفغانستان، ويبدو أن الولايات المتحدة، التي تسعى جاهدة لإنهاء أطول حرب دخلتها على الإطلاق، نسيت درسا أساسيا من مغامرتها السابقة: فقد حولت أفغانستان إلى قلعة للإرهاب العابر للحدود الوطنية، مما أدى إلى اندلاع حرب أهلية ثم إراقة الدماء في الغرب في نهاية المطاف.

ويبدو الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين حركة طالبان والممثل الأميركي الخاص للمصالحة الأفغانية، زلماي خليل زاد، وكأنه استسلام تام من جانب إدارة ترامب. في عام 2014 وقعت الولايات المتحدة على اتفاقية أمنية مع الحكومة الأفغانية ضمنت للأميركيين القدرة على الوصول إلى تسع قواعد عسكرية على الأقل حتى عام 2024. لكن الولايات المتحدة وافقت الآن على سحب كل قواتها مقابل مجرد وعد من ميليشيا إرهابية بأنها ستمنع شبكات إرهابية أخرى من الحصول على موطئ قدم على الأراضي الأفغانية. هذا على الرغم من أن تنظيم الدولة الإسلامية يعمل بالفعل في أفغانستان ويشكل تهديدا لحركة طالبان ذاتها.

على الرغم من إطلاق مسمى اتفاقية "السلام" على الاتفاق الأخير، فيكاد من المؤكد أنه سيفضي إلى المزيد من عنف الإسلاميين، وخاصة ضد نساء أفغانستان، والواقع أن حركة طالبان عازمة على إعادة فرض ممارسات العصور الوسطى التي كانت تفرضها خلال حكمها القاسي للبلاد من عام 1996 إلى عام 2001، وقريبا، ربما تُهدَر أي مكاسب حققتها أفغانستان في مجال حقوق النساء والحقوق المدنية.

لا تدعوا أي شك يخالجكم بشأن وحشية طالبان وعشوائيتها في استخدام العنف، وهي ترفض حتى الاعتراف بالحكومة الشرعية للبلاد، وهذا من شأنه أن يجعل بلورة الاتفاقية "الإطارية" الجديدة أمرا شديد الصعوبة، فمن الأهمية بمكان توضيح عدد من القضايا الأساسية على نحو لا لبس فيه، بما في ذلك عندما يبدأ سريان وقف إطلاق النار بين طالبان والقوات الأفغانية التي تدعمها الولايات المتحدة. وحتى في هذه الحالة، من المشكوك فيه إلى حد كبير أن توافق طالبان على ترتيبات تقاسم السلطة مع حكومة الرئيس الأفغاني أشرف غني.

الواقع أن حركة طالبان، التي اكتسبت قدرا متزايدا من الجرأة والشجاعة بعد سلسلة من التنازلات الأميركية على مدار السنوات الست الأخيرة، صعدت هجماتها الإرهابية وحققت مكاسب كبرى في ميدان المعركة ضد القوات الأفغانية. وعلى هذا فإن طالبان لن ترى في الاتفاق الجديد سوى مصادقة ضمنية على انتصارها الوشيك، وتعلم حركة طالبان أن الوقت في مصلحتها، وأن أغلب الأميركيين يفضلون خروج الولايات المتحدة، وهذا يعني أنها ستلعب في الأرجح بخشونة عندما تتفاوض على تفاصيل الاتفاق النهائي.

فضلا عن أن هذا الاتفاق يشكل نصرا كبيرا لطالبان، فإنه يمثل أيضا فوزا لباكستان، التي تستضيف قيادات حركة طالبان وتوفر الملاذ عبر الحدود لمقاتليها. في العام المنصرم، قطع ترامب المساعدات الأمنية الأميركية لباكستان، وصرح في إحدى تغريداته قائلا: "لم يعطونا أي شيء سوى الأكاذيب والخداع، ظنا منهم أن قادتنا حمقى. إنهم يمنحون الملاذ الآمن للإرهابيين الذين نطاردهم، ولا يساعدوننا إلا قليلا".

ينبغي لنا أن نتذكر أن ترامب وَعَد عندما تولى منصبه بإصلاح الوضع المتدهور في أفغانستان من خلال "الفوز مرة أخرى"، ولكن بعد مرور عامين فقط، يبدو من الواضح أنه قرر أن المتطرفين هم الذين سيفوزون مرة أخرى.

بدلا من الانفصال عن النهج الفاشل الذي تبناه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، كما وَعَد، يلبي ترامب الآن المساعي التي بذلها سلفه للتوصل إلى اتفاق مع طالبان، فبعد أن أعلن مؤخرا أيضا سحب القوات العسكرية الأميركية من سورية، أوضح ترامب بذلك أن الولايات المتحدة ستضحي بكل سهولة بحلفائها الأكراد والأفغان لتخليص نفسها من التشابكات الأجنبية التي تورطت فيها بإرادتها.

لا يساورني أدنى شك في أن الصفقة الشيطانية التي أبرمتها أميركا مع طالبان كانت قيد الإعداد لسنوات، وهو ما يفسر سبب غياب اسم هذه المنظمة على نحو لافت للنظر عن قائمة وزارة الخارجية الأميركية السنوية للمنظمات الإرهابية الأجنبية، برغم أنها قتلت في العام المنصرم وحده عددا من المدنيين أكبر من عدد ضحايا أي جماعة أخرى. لتسهيل المحادثات مع طالبان، سمح أوباما لهذه الميليشيا بإنشاء بعثة دبلوماسية بحكم الأمر الواقع في الدوحة عاصمة قطر في عام 2013، وبعد عام واحد قام بمبادلة خمسة من كبار قادة طالبان برقيب الجيش الأميركي (الذي اتهم في وقت لاحق بالفرار من الخدمة).

علاوة على ذلك، من أجل إرساء الأساس للتوصل إلى اتفاق، امتنع مخططو الحرب الأميركيون لفترة طويلة عن استهداف قاعدة القيادة والسيطرة التابعة لحركة طالبان في باكستان، وبالتالي قوضت الولايات المتحدة فعليا مهمتها العسكرية في أفغانستان، وكما اعترف القائد العسكري الأعلى في أفغانستان في عام 2017، "من الصعب للغاية أن تحرز أي نجاح في ساحة المعركة ما دام عدوك يتمتع بدعم خارجي وملاذ آمن".

لقد عادت الولايات المتحدة إلى حيث بدأت تماما، فقد نشأت حركة طالبان، مثلها في ذلك كمثل تنظيم القاعدة، من الجماعات الجهادية العنيفة التي دربتها وكالة الاستخبارات المركزية في باكستان لشن حرب ضد السوفيات في ثمانينيات القرن العشرين، وبعد معاناة أسوأ هجوم إرهابي في تاريخ العالم المعاصر، انقلبت الولايات المتحدة ضد طالبان، ودفعت قادتها إلى الخروج من أفغانستان.

ولكن الآن، في بحث أميركا عن خروج ينقذ ماء وجهها من المستنقع الأفغاني، تستعد ضمنيا إلى تسليم البلاد مرة أخرى إلى الجماعة الإجرامية نفسها التي طردتها من السلطة قبل سبعة عشر عاما، ومن المؤسف أن قدرة الولايات المتحدة على التأثير على الأحداث هناك، أو منع وقوع هجوم إرهابي جديد على أرض الولايات المتحدة، ستصبح محدودة للغاية بمجرد مغادرة القوات الأميركية للأراضي الأفغانية.

* براهما تشيلاني

* أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات في نيودلهي، وزميل أكاديمية روبرت بوش في برلين، ومؤلف تسعة كتب، منها "الطاغوت الآسيوي"، و"المياه: ساحة المعركة الجديدة في آسيا"، و"المياه، والسلام، والحرب: مواجهة أزمة المياه العالمية".

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»