صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4071

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حياة عاشتها من أجل حقوق الإنسان

  • 09-01-2019

ليودميلا ألكسييفا كانت أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في روسيا، وكانت ملتزمة بإدارة أمورها بطريقة حضارية حتى في التعامل مع خصومها، كما كانت تدرك ماذا تمثل وإلى أي شيء ترمز، وكذلك كانت حال كثيرين استفادوا من جهودها في حماية حقوق الإنسان.

تشير ليودميلا ألكسييفا في مذكراتها المنشورة في عام 1993 بعنوان "جيل بلا تحفظات: بلوغ سن الرشد في عصر ما بعد ستالين"، إلى عدم وجود مقابل مناسب لكلمة "مُعارِض" في اللغة الروسية، وحتى المصطلح الذي يستخدم أحيانا في محل هذه الكلمة يترجم إلى "من يفكرون على نحو مختلف"، وبمرور الوقت تبنت الصحافة السوفياتية المصطلح الإنكليزي، في الإشارة إلى المعارضة، ومن المؤكد أن ألكسييفا التي توفيت الشهر الماضي عن عمر يناهز 91 عاما تنتمي إلى هذه الفئة.

الواقع أن ألكسييفا التي تُعَد مؤرخة بالتدريب، كانت تُعرَف على نطاق واسع باعتبارها أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في روسيا، ففي عام 1976 بعد عشرين عاما من "الخطاب السري" الذي ألقاه نيكيتا خروشوف في شجب جرائم ستالين، كانت ألكسييفا واحدة من مؤسسي مجموعة هلسنكي في موسكو، التي ركزت على مراقبة امتثال السوفيات لاتفاقات هلسنكي، والتي أبرمت قبل ذلك بعام واحد من قِبَل 35 حكومة من أوروبا وأميركا الشمالية.

كان الهدف من الاتفاقات، التي جاءت إلى حد كبير نتيجة لمبادرة من الاتحاد السوفياتي، تحسين العلاقات بين خصوم الحرب الباردة، ومن منظور الزعيم السوفياتي ليونيد بريجينيف كان الهدف منها إضفاء الطابع الرسمي على الاعتراف الدولي بالحدود الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية. وكان السوفيات حريصين على التوصل إلى اتفاق حتى أنهم قبلوا بفقرات، لم تكن ملحوظة إلا بالكاد في ذلك الحين، والتي ضمنت المعايير الأساسية الدولية لحقوق الإنسان في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومن خلال اتفاقات هلسنكي، وافق الاتحاد السوفياتي فعليا على الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948، والذي رفض التصديق عليه في وقت سابق.

كان بريجينيف في غاية السرور لحصوله على الموافقة على اتفاقات هلسنكي حتى أنه نشر النص بالكامل في صحيفة الحزب الشيوعي الرسمية، برافدا. وهكذا لاحظت ألكسييفا وزملاؤها من المعارضين الفقرات الخاصة بحقوق الإنسان في الاتفاق، ولهذا أسسوا مجموعة هلسنكي في موسكو لمراقبة امتثال الحكومة السوفياتية وتسجيل الانتهاكات.

حظيت هذه المنظمة الصغيرة بأهمية تاريخية كبرى، ووفقا لروبرت غيتس، الذي تولى إدارة وكالة المخابرات المركزية في عام 1991، في أوج سكرات موت الاتحاد السوفياتي، فإن أولئك الذين راقبوا الامتثال لبنود اتفاقات هلسنكي ربما ساهموا بشكل أكبر من وكالة المخابرات المركزية ذاتها في إسقاط الإمبراطورية السوفياتية.

بطبيعة الحال، لم يستخف الكرملين بتصرفات مجموعة هلسنكي في موسكو، فقد سُجَن أعضاء المجموعة، بما في ذلك رئيسها، الفيزيائي يوري أورلوف، وخيرت ألكسييفا بين السجن والمنفى، فاختارت المنفى في الولايات المتحدة، حيث استمرت في الاضطلاع بدور مهم في الدفاع عن حقوق الإنسان في الاتحاد السوفياتي.

في ذلك الوقت، استجبت أنا وبعض زملائي لسجن أعضاء مجموعة هلسنكي في موسكو، فضلا عن معارضين آخرين، بإنشاء منظمة هلسنكي واتش، التي اتخذت من الولايات المتحدة مقرا لها والتي كانت تركز على تحريرهم. وكان عمل ألكسييفا لا يقدر بثمن في دعم جهودنا، حيث قدمت لنا معلومات تفصيلية جديرة بالثقة حول ما كان يحدث لرفاقها.

على مدار العقد التالي، ومع تطور "هلسنكي واتش" إلى المجموعة المعترف بها عالميا "هيومان رايتس ووتش، ظلت إسهامات ألكسييفا تؤتي ثمارها. باعتبارها مؤرخة، كانت ألكسييفا حريصة على الوصول إلى الحقائق على النحو الصحيح وضمان اكتمال سياق هذه الحقائق، وقد ساعد النهج الذي تبنته في تشكيل منهجية البحث في منظمة هيومان رايتس ووتش، والتي أثبتت أهميتها البالغة لسمعتنا في الاستجابة للتطورات، ليس بسرعة فحسب، بل أيضا على النحو اللائق، واستنادا إلى معلومات دقيقة. وباعتباري مديرا لمنظمة هيومان رايتس ووتش الوليدة آنذاك، كنت أعتمد بشكل كبير على ألكسييفا، التي أصبحت أيضا صديقتي.

في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، عندما بدأ ميخائيل غورباتشوف تحرير المعارضين من السجن، عادت ألكسييفا إلى موسكو، حيث قامت بإحياء مجموعة هلسنكي في موسكو، التي اضطرت إلى تعليق أنشطتها في عام 1982، لأن أغلب أعضائها كانوا سجناء أو في المنفى. ومنذ ذلك الحين، خاضت المنظمة المعركة تلو الأخرى مع الحكومة الروسية، بما في ذلك التصدي للرئيس فلاديمير بوتين المتزايد الاستبداد. في عهد بوتين، ظل التحدي المتمثل في دعم حقوق الإنسان في روسيا قائما وعصيبا، وقد منع الكرملين فعليا بعض المانحين الأجانب، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المفتوح، من إصدار منح في روسيا، كما ذهب إلى إلزام المنظمات التي تتلقى أي تمويل أجنبي بالإعلان عن نفسها بوصفها "وكالات أجنبية"، أو جواسيس في الأساس.

أضرت هذه السياسات بمنظمة هلسنكي في موسكو بشدة، لأنها اضطرت إلى اختيار خسارة قدر كبير من تمويلها، وبالتالي موظفيها، ومع ذلك ظلت المجموعة قائمة.

ورغم أن ألكسييفا انتقدت بوتين، فإنه أظهر لها الاحترام على مضض، ربما لأنه كان ينظر إليها على أنها وطنية روسية، وفي إحدى المناسبات، تزامن اجتماع بوتين السنوي بقادة حقوق الإنسان مع عيد ميلادها، فأحضر بوتين لها باقة من الزهور، ثم هنأها مرة أخرى في عيد ميلادها التسعين.

لا أظن أن ألكسييفا تأثرت كثيرا بمثل هذه الإيماءات، لكنها كانت تعكس الاحترام الذي استحقته، والتزامها بإدارة أمورها بطريقة حضارية حتى في التعامل مع خصومها، وكانت تدرك ماذا تمثل وإلى أي شيء ترمز، وكذلك كانت حال كثيرين استفادوا من جهودها في حماية حقوق الإنسان.

* أرييه نيير

* الرئيس الفخري لمؤسسات المجتمع المفتوح، ومؤسِّس منظمة هيومان رايتس ووتش، ومؤلف كتاب "حركة حقوق الإنسان الدولية: سجل تاريخي".

«بروجيكت سنديكيت، 2018»

بالاتفاق مع «الجريدة»