صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3991

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

مأساة التجنيد في العصر العثماني

  • 06-12-2018

كان تدهور التعليم جانباً واحداً من جوانب الفساد في الدولة العثمانية، إذ كانت ثمة جوانب أخرى من التدهور تعيشها الدولة، وعانت بعض المدن "ظروفاً قاسية وفساداً حتى في أجهزة الأمن. كان الموظفون العثمانيون في البصرة في الأعم الأغلب من خارج المنطقة"، ويضيف الباحث النرويجي "ريدر فِسِّر" أن موظفي الحكومة كانوا من أقاليم الدولة العثمانية المجاورة بما في ذلك بغداد والموصل، وكانت غالبية ضباط البحرية تنحدر من أصول إسطنبولية وحوض البحر المتوسط والبحر الأسود، ولم تحظ البصرة بجوها الخانق وموقعها النائي، يقول الباحث، برضا كثير من الموظفين الحكوميين، فكانت فترة خدمتهم قصيرة واستبدالهم من الأمور الشائعة إداريا، "وقد اتهم كثير منهم باستغلال فترة توليه المنصب الوجيزة في المدينة لجني الحد الأقصى من الفائدة الشخصية، وليس لتطوير مصالح الدولة والجمهور. ومن ناحية أخرى كان ينظر إلى القاعدة البحرية باعتبارها فرصة للترقي في الوظيفة، وفي بعض الأماكن البعيدة مثل الزبير، كثيراً ما كانت تحل فواصل زمنية متكررة لا يوجد فيها موظفون عثمانيون على الإطلاق".

لم يكن وجود السلطات العثمانية خارج أسوار البصرة ومنطقة القرنة إلا ظاهرة حديثة، فمثلا لم ترسخ الدولة حضورها في منطقة "أبي الخصيب" إلى الجنوب من البصرة حتى ستينيات القرن التاسع عشر، أما حصن الفاو فيعود تاريخ بنائه إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر، وكانت "أهمية الدولة العثمانية كمنفذ للعدالة تتفاوت تفاوتا كبيرا حول البصرة، وكان مركز المدينة يحصل على حصة الأسد من انتباه الحكومة، وسادت القوانين والتنظيمات العثمانية في البصرة بعمق، وصارت تتوارد توجيهات دقيقة للإشراف الحكومي على أسعار الأطعمة".

وجرت محاولات لتجاوز الفساد، حيث تم اعتماد خطة لتسوية أكواخ الحُصران، أو الصرائف والعشيش، التي هي محلات سكنى الطبقة الدنيا في ضواحي المدينة القابلة للاشتعال، بغية استبدال بيوت حديثة بها تكون مبنية من الطابوق، بل فرضت حتى على بعض جسور المشاة في البصرة رسوما خاصة، مما ترك السكان الفقراء لا بديل أمامهم سوى الخوض في المياه وعبور النهر سباحة، ومع ذلك ظهرت شكاوى متكررة، إذ كان الفساد والتواطؤ منتشرين بين القوات المحلية، وتمر الجرائم الخطيرة بما فيها السطو والقتل، دون عقاب أحد.

وكان شراء الحرس المسلحين على الأسواق بمبالغ خاصة، كما أخفقت المحاولات لتوحيد المكاييل والأوزان في التجارة المحلية، وظلت فترات الحكام الأشداء أو ذوي العقول المتفتحة أحداثا قصيرة غالبا ما يتذكرها الناس".

(البصرة وحلم الجمهورية الخليجية، ترجمة سعيد الغانمي، 2008، ص 56-59).

كان من المظاهر المميزة للمجتمع الحضري في البصرة في أواخر العهد العثماني بروز العصابات الإجرامية، "وكان الجنود العثمانيون يعتبرون الصحراء خارج نطاق حدودهم لعجزهم عن منافسة المحاربين الجمالة"، وتولت كتائب صغيرة في مناطق الأهوار الإشراف على النهرين الرئيسين "أما ما وراءهما فكان العثمانيون يشتكون بأن الحر الشديد يخلق ظروفا مستحيلة لقواتهم".

كان بعض الوجهاء المحليين يمولون العصابات الإجرامية التي تعيش على النهب، وقد فصموا في الغالب كل روابطهم مع الدولة، ويضيف "د. فسِّر" إنه "كثيراً ما كان يُستخدم الزنوج الأفارقة الذين هم إما عبيد أو عبيد سابقون، كقتَلَة، وكذلك يُجند عرب مناطق الأهوار أيضا، وقد أنهى بعضهم حياته في السجن أو أُعدم، لكن الكثيرين كانوا يقررون الهرب من الحكم بالاختفاء في مزارع مستخدميهم أو برعايتهم. ولقد كانت هذه العصابات في البصرة من القوة بحيث ما كان يتجرأ وجهاء البصرة على الحراك في المدينة دون أن يكونوا بصحبة حرس شخصي مسلح".

(ص 60-61).

كيف تعايشت الدولة العثمانية مع القبائل والعشائر في منطقة البصرة؟

يقول الباحث "فسر" الأستاذ في المعهد النرويجي للشؤون الدولية، وصاحب الدراسات العديدة عن جنوب العراق، بما في ذلك مناطق الشيعة والبادية، إنه خارج إطار المنطقة الحضرية المباشرة قامت العشائر بدور الدولة في الوظائف الأمنية بثبات أكبر، وكثيرا ما كانت البصرة، من جانب آخر، توصف بأنها منطقة "خالية من العشائرية"، في بواكير القرن العشرين، وربما تضمنت العبارة بعض الحقيقة بقدر ما كانت الكيانات التي تدعي أنها تشكل عشائر في المنطقة أصغر بكثير وأضعف من التحالفات العشائرية شمال البصرة، "بن أسد" على الفرات و"آل بو محمد" على دجلة، ومع ذلك "استمرت مناطق واسعة داخل حزام بساتين النخيل بالخضوع للقوانين العشائرية أكثر من القوانين ذات الأصل العثماني".

أين وقف العثمانيون من الاختلاف القديم بين الحاضرة والبادية؟ يقول: "كان العثمانيون يتحدثون عن القبائل بلغة انتقاص وازدراء، فيؤكدون على "وحشيتها" والأمية المتفشية فيها، ويدينون أفعالها في السلب والنهب". غير أن هذا لم يكن موقف السكان المحليين، ذلك أن التجمعات العشائرية كانت توفر الحماية، وكانت تتم تسوية النزاعات الداخلية باتباع القوانين العشائرية المعتادة. و"كانت الروابط والعصبيات القبلية تشكل عوائق تحول دون اعتداء الأجانب عن طريق ربط الجماعة بحلف عشائري أكبر. وبوجيز العبارة، خلقت الوحدة العشائرية إطاراً اجتماعياً كاملاً تكون الدولة فيه زائدة على الحاجة بمعان كثيرة".

كان الهم الأساسي لدى العثمانيين إدارة الأراضي الزراعية، وكانت كل الأراضي في الإمبراطورية ملكاً للدولة ما لم تخرج من يدها كملكية خاصة أو كأوقاف دينية، وكان للدولة الحق في فرض الضرائب على الأراضي، غير أن الكثير منها في القرن التاسع عشر كانت تمسك بها عشائر لم تكن تدفع لها أي ضريبة على الإطلاق. وعندما سُجلت ملكية هذه الأراضي رسميا في "الطابو" (ما يمثل التسجيل العقاري اليوم)، أوجد ذلك عقود إيجاد خاصة ومتوارثة، وسمحت الدولة بتوسيع الامتيازات للبعض.

عانى نظام الضرائب العثماني الكثير من الثغرات ومظاهر الفساد، وعندما دخل نظام التجنيد الإلزامي البصرة عام 1870 "كان أغرب سمة للحكم العثماني"، يقول الباحث فسِّر: "كان المسيحيون واليهود يدفعون ضريبة عسكرية بدلا من الخدمة، وكان الذكور من الشباب المسلمين يُختارون بالقرعة ومع ذلك، يقول الباحث، كان "يمكن شراء الإعفاءات من التجنيد لمن يملكون القدرة على الدفع، كما تدبرت بعض الجماعات في البصرة أمر الحصول على إعفاء جماعي بعد اتفاقية خاصة مع الحكومة"، ومن بين هذه الإعفاءات برزت اثنتان.

فقد حصل أهل الزبير على استثناء جماعي مقابل العمل في الحماية "كقوات مساعدة ضد أي هجوم يُشن على منطقة البصرة من نجد"، كما شمل الإعفاء "السادة الأشراف الذين ينحدرون من نسل النبي، وهم عدة مئات من البصراويين الذين يزعمون الانتساب الى الزعيم الصوفي في القرون الوسطى السيد أحمد الرفاعي". (ص70).

كان التجنيد الإلزامي في العديد من الدول العربية والإسلامية في القرن التاسع عشر بمثابة كارثة شخصية وعائلية، أكثر منها خدمة وطنية! فهكذا كان الوضع في مصر وإيران والعراق وربما أماكن أخرى، عندما بدأ "تحديث الجيوش" في الشرق الأوسط مع بداية "النهضة" في بلدانه. ففي العراق مثلا، "ما إن يُستدعى المجند في سن العشرين حتى يقضي ثلاث سنوات في الجيش النظامي وست سنوات في الاحتياط، وإحدى عشرة سنة في الجيش القائم محلياً، قبل أن ينهي خدمته في سن الأربعين. عملياً، كانت مدة الخدمة كثيراً ما تمتد على نحو اعتباطي، وغالبا ما تقترن الخدمة في الجيش بالظروف البائسة وما شابه ذلك من موت مبكر كجندي في قوات سيئة الأعداد، وكانت الحملات العسكرية غالبا ما تأخذ الجنود الى مناطق لا معرفة لهم بها، كحرس مسلح لحياة الضرائب أو "الملتزمين"- مستأجري الأراضي من الدولة مقابل بعض المحصول أو المبالغ- في المناطق العشائرية البعيدة كالمنتفق، أو إلى مخافر الدولة العثمانية في الخليج كالأحساء وقطر. ولم يكن بالأمر المستبعد إرسالهم إلى خارج هذه المنطقة للخدمة في اليمن مثلاً".

كان اللجوء الى منطقة "المحمرة"- الأهواز الحالية- أحد الحلول، ففي عام 1890 مثلا، تم إرسال حملة إلى "القرنة" بالعراق لتجنيد الأهالي وعند الفترة نفسها تقريباً هرب إلى "المحمرة" عدد كبير من سكان العراق، سكان الضفة الغربية من شط العرب ليتجنبوا الوقوع في التجنيد، وساعد هذا كذلك، كما هو معروف، في انتشار التشيع في العراق، كما سنرى.