صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3989

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الرئيس بوش... كلمة وفاء

  • 04-12-2018

توفي الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب في ٣٠/١١/٢٠١٨ وأعلن عن الوفاة في اليوم الأول من الشهر الجاري، وستبقى ذكراه الطيبة ماثلة في أذهان الشعب الكويتي كقائد للتحالف الدولي لتحرير الكويت وكرجل دولة عظيم.

مهما قلنا في مدح هذا الرجل فلن نوفيه حقه، فلقد أخذ على عاتقه مهمة ردع الظلم والعدوان، وبذل جهودا مضنية لبناء التحالف الدولي لتحرير بلادنا مع عدد من قادة الدول الأجنبية، ومع محبي ومناصري الحق والسلام من قادة الدول العربية الذين سنظل ممتنين وشاكرين لهم إلى الأبد.

علاوة على ذلك كان الرئيس بوش شخصية عظيمة وفريدة، فكان متواضعاً على قوته وشهماً في مواقفه، كما كان سياسياً محنكاً عرف كيف يستفيد من مرحلة التغير والانفتاح في الاتحاد السوفياتي السابق، وكيف يتفاهم ويتناغم مع الرئيس ميخائيل غورباتشوف، ووزير خارجيته إدوارد شيفرنادزة لتلطيف الأجواء بين المعسكرين الشرقي والغربي؛ مما مكنه فيما بعد من تحييد الدبلوماسية السوفياتية- إن لم نقل كسبها- تجاه جهود تحرير الكويت، ورغم كون العراق حليفا تقليديا للاتحاد السوفياتي فلقد أدار هو ومعاونوه مثل جيمس بيكر وبرنت سكوكروفت عملية إقناع دول كالاتحاد السوفياتي والصين بالمساعدة أو على الأقل بالتزام الحياد ببراعة دبلوماسية ومهنية كبيرة، ولكن بجهود شخصية وجسدية مضنية، والحقيقة أن هذه الجهود ساهم فيها بفعالية قادة آخرون مثل السيدة مارغريت تاتشر، وقادة الخليج، والرئيس حسني مبارك.

من جهة أخرى كان الرئيس بوش الأب معروفا باحترامه للقانون الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، وخير مثال على ذلك الحادثة التالية: حينما اجتاحت قوات المشاة الأميركية جنوب العراق في فبراير 1991 وصلت إلى مشارف مدينة الناصرية دون مقاومة من فلول الجيش العراقي المنهزم، فأراد الجنرال نورمان شوارتسكوف المضي إلى بغداد لإسقاط نظام صدام حسين، لكن جورج بوش منعه من ذلك، وكان سببه هو أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 678 خوّل البلدان الراغبة باستخدام كل الوسائل الضرورية لتحرير الكويت فقط، وأنه لو فعل أكثر من ذلك فإنه سيكون يتصرف خارج القانون الدولي، لذلك فضل التمسك بحرفية القرارات الدولية، مع أن هذا كلف أميركا كثيراً فيما بعد.

وكان الرئيس بوش معروفا ليس بمهنيته فقط، بل كذلك بخلقه الرفيع، ولقد وصفت في مقالة نشرتها لي جريدة الوطن بعنوان "شيم العظماء" بتاريخ 21 مايو 2013 كيف تصرف الرئيس بوش مع أمير الكويت آنذاك الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، خلال مؤتمر قمة الأرض في ريو دي جانيرو في يونيو 1992- أي بعيد تحرير الكويت، وكنت آنذاك سفير الكويت لدى البرازيل- بكياسة وأدب وتواضع وباهتمام فاق اهتمامه ببقية الرؤساء، وكانت تربط هذين الزعيمين علاقة صداقة ومودة واحترام متبادل، كما زار الرئيس بوش الكويت، فكان صديقاً محباً لها، وحظي في زيارته بحفاوة بالغة على المستويين الرسمي والشعبي.

إن الولايات المتحدة حليف مهم للكويت ولكل بلدان الخليج، وعزز الرئيس بوش هذا التحالف، وكان معارضو تحرير الكويت من بعض القادة والمثقفين العرب يقدمون حججاً مغلوطة لدعم وجهة نظرهم، مثل نظرية المؤامرة، ومعاداة العروبة والإسلام، والحرب الصليبية، ومقابلة صدام حسين مع السفيرة الأميركية في بغداد، وما أسموه المعايير المزدوجة.

وكانت إحدى نظرياتهم الخبيثة هي أن الأميركيين إنما جاؤوا لاحتلال منابع النفط والتحكم في أسعاره وليس حبا بالكويت أو انتصاراً للحق. ما حدث هو أن الجيوش الأميركية وجيوش بقية الحلفاء انسحبت بعد التحرير، ولم تحتل بئراً نفطية واحدة، وهو أن أميركا ومعظم بلدان التحالف الدولي في الغرب والشرق تخضع لأسعار النفط العالمية، وأن الكويت وزميلاتها في منظمة أوبك هي من يتحكم في سوق النفط العالمي وفي أسعاره.

ما حدث هو أن أميركا خسرت أرواح عدد من جنودها من أجل الكويت، وأنفقت نحو 70 مليار دولار في هذه العملية، بقدر ما أنفقته الكويت نفسها، ومع ذلك لم نسمع في يومٍ ما معايرة من الأميركيين لنا بأنهم هم من حررونا من الاحتلال العراقي، ولم نسمعهم قط يقولون إن أمن الكويت أو أمن الخليج من أمن أميركا، فعبارات كهذه معدومة في قواميسهم.

والسؤال هو: بعد أن ضيعنا مناسبتين لتكريم مارغريت تاتشر ونورمان شوارتسكوف حين توفيا أو قبل ذلك، هل سنضيع هذه المناسبة الحزينة لرحيل بطل تحرير الكويت، وصديق الكويت الوفي، دون أن نكرمه بتشييد تمثال له، أو إن لم يكن ذلك- بحجة تحريم التماثيل لأنها نوع من الأصنام- فبتسمية شارع أو مرفق رئيسي باسمه؟ أتمنى أن نفعل ذلك كأقل علامة شكر وعرفان، ولتخليد ذكرى هذا الرجل العظيم والصديق الوفي.