صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3991

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

آمال : من دون تسويق

  • 02-12-2018

انتشر في وسائل الإعلام مقطع فيديو لإحدى شركات الأحذية الرخيصة في أميركا، التي كانت أسعار أحذيتها في متناول الطبقة البسيطة. إذ قررت هذه الشركة تغيير اسمها من payless إلى palessi، وقامت بتغيير جذري في الديكور ليبدو المحل في شكل فاخر جداً، واستعانت بمشاهير لتسويق أحذيتها، ورفعت أسعارها بنسب كبيرة جداً جداً، فالحذاء الذي كان يباع بسعر خمسة وثلاثين دولاراً أصبح يباع بستمئة وخمسة وأربعين دولاراً، بنسبة ارتفاع بلغت %1800 وأكثر، على سبيل المثال.

والنتيجة؟ النتيجة أن كل المخزون نفد، وكل الأحذية تم بيعها، في فترة وجيزة جداً. لكن المضحك هو ردات فعل الزبائن عندما علموا أن هذه الأحذية كانت معروضة بأسعار رخيصة لفترة طويلة ولم تغر أحداً منهم.

سألت صديقي الجالس إلى جواري: هل كنت ستشتري الحذاء لو كان رخيصاً بشكل مغرٍ أم لا؟ فأجاب بطريقة مقنعة: لم أكن لأضمن الجودة، فالرخيص بخيس، كما في لهجتنا. قلت: وكيف تضمن جودة الحذاء الغالي؟ قال: "المواري بيّنة"، أي إن المؤشرات واضحة، وتدل على الجودة. وبالطبع لا أظن أنني أحتاج إلى إقناعكم بأنه لا "مواري" هنا ولا يحزنون، لكنه التسويق المبدع، والأفكار الراسخة في أذهان الناس، وأغلبها خطأ، والموقع، والديكور، والشكل العام، ووو...

قلت له بعد أن ارتديت عباءة الشيخ الحكيم: هذا بالضبط ما تفعله مخابرات بعض الدول غير الديمقراطية. تسوّق لك طاغية، أي تسوّق منتجاً رخيصاً، عبر المشاهير والقصائد والأغاني والمناسبات العامة والصور الضخمة والشكل العام ووو، فنصدّق أنا وأنت وهذا وذاك أنه فاخر، رغم أنه لا يعرف من السياسة ألفها ولا باءها، ولا يكترث لمطالب الشعب، ولا يهتم إلا بكرسيّه ورفاهيته ورفاهية طبّاليه ومنافقيه الذين يلمّعون صفحته ويسوّدون صفحة خصومه. فـ"يشتري" الناس رضى الطاغية ويصدّقون أنهم من دونه لا شيء. أو أقل من لا شيء، كما في تعبيرات ماركيز.

حوقل صاحبنا قبل أن يعاتبني بنفاد صبر: حتى في بيع الأحذية أدخلت السياسة والديمقراطية والشعوب والمنافقين؟ قلت: اعتبرني مجنوناً وخذ هذه الفكرة مني؛ الطاغية حذاء رخيص يتم التسويق له بأموال شعبه.

على أن الحذاء لا يسرق أموال الشعوب ولا يسحقها ويذلها، ولا يغضب إن هي انتقدته. وفوق ذلك لا يبتعد عن الفقراء والبسطاء، بل على العكس هو الأقرب إليهم. لذا له الأفضلية، رغم أن أحداً لا يسوّق له.