«وفي النهاية الصَّمتُ»... الهروبُ نحو الماضي

نشر في 19-08-2018
آخر تحديث 19-08-2018 | 00:03
No Image Caption
الخوف من تضاعف العنف وتصاعد الهجمات التي يقومُ بها غالباً الوافدون إلى المجتمعات الأوروبية واستهداف القيم السائدة في تلك الدول أصبحَ مادة أساسية في النقاشات الفكرية والفلسفية. كذلك يُعالج هذا الموضوع على المستوى الفني، سواء من خلال السينما أو الأعمال المسرحية أو غيرهما من وسائط تعبيرية. ولم يتأخر الروائيون بدورهم في نقل الفضاءات المطبوعة بالتوتر والخوف إلى مضامين النصوص السردية. ربما أبرز من عبَّر عن هذه الحالة الروائي الفرنسي ميشيل ويلبك الذي يظهرُ من خلال روايته الاستشرافية «استسلام» ما يصيرُ إليه مستقبل بلده عندما يتبوأُ رجل من ديانة مغايرة مقاليد الحكم في فرنسا بحلول سنة 2022، ولا تحيدُ مواطنتهُ لورانس تارديو عن السياق ذاته في روايتها القصيرة المعنونة «وفي النهاية الصمت» الصادرة عن دار «المدى». غير أن الأخيرة تركزُ على الحدث الآن، مما يصرفها عن توقع سيناريوهات مُستقبلية.
من المعلوم أنَّ ثمة رغبة لدى الروائيين لمعايشة الواقع، بل إنَّ غالبية الأعمال التي كُتبت بإيحاء ما عاشهُ المؤلفُ مباشرة تبدو مُتشابكة مع المواضيع الخبرية، حيثُ أنَّ ما يُقرأُ بين دفتي العمل لم يمضِ عليه كثيرُ من الوقت. لذا تتقاطع أحياناً المادة المروية مع ما هو معروض في المرئيات لدى المتلقي.

بعد المقدمة التي تحددُ خطوط «وفي النهاية الصمت»، يدخلُ صوتُ المؤلفة لورانس تارديو إلى فضاء النص وهي تذكرُ ما أرادتهُ من عملية الكتابة عن منزل العائلة الذي يحتفظُ بعبقِ أجدادها المتحدّرين من إيطاليا. إذ وجدت في الكتابةِ تعويضاً عن فقدان المنزل عندما قرر الوالد بيعه. كذلك جنحَ الخيالُ بالروائية بأنَّ ما قد تكسبهُ بالكتابة يوفر ثمنَ شراء أرض سعادتها من جديد. لكن ما يقعُ في 7 يناير 2015 حينما يُهاجَمُ صحافيون داخل أحد المباني الباريسية يضعُ الراوية التي ما هي إلا الذات الكاتبة إزاء تحدٍ جديد وأسئلة عن الهوية واللجوء والهجرة والاختلاف الثقافي.

صدمة

ينتهي مشروع الكتابة عن موئِلِ ذكريات الطفولة، فبدلاً من ذلك تنخرطُ الروائية في تفاصيل الحدث المزلزل، إذ تستعيدُ ما استببع هذا الهجوم من تطويق مبنى الصحيفة متسمرةً وراء شاشة الحاسوب لمتابعة الأخبار، وما أسفر عن الحادث من جرحى وقتلى ونقل المصابين إلى المُستشفى. ثمَّ تسردُ ما عاشته ذاك اليوم الذي كان عادياً كأي يوم آخر تعود فيه مع ابنتها الصغرى التي تمارس رياضة كرة المضرب وتمضي مع .ج. وأختها لحظات قبل أن تدوي صفارات الإنذار.

في البداية، تتوقعُ الأمُ نشوب الحريق إلى أن تبدأ بقراءة الأخبار على الإنترنيت، ومن هذه اللحظةِ يجتاحُ شعور بالخوف مفاصل الحياة ويتبدلُ نمط المعيشة داخل المدينة التي يتحول بعض مناطقها إلى ثكنة عسكرية. ويكون وقع الصدمة أشدَّ على حياة الراوية التي تترقب استقبال مولودها الجديد.

إلى جانب ما تعرضه الرواية من تداعيات هجمات باريس تحومُ أطياف ذكريات الطفولة والسنوات التي أمضتها الراوية بجوار العائلة الكبيرة في تلافيف النص، إضافة إلى أن الحدث يذكرها برحيل الأم ومعاناتها مع المرض. وتردُ في هذا الإطار أنتافُ من الظروف التي انتقل فيها جداها من طرف الوالدة إلى فرنسا هرباً من الفقر وحكم موسوليني، وبعد مرور 40 عاماً شرعَ الجد ببناء المنزل الذي يُسمى سيبيل على اسم أم الآلهة التي تمتاز بالخصب، مع تراكم الخوف وما يشعرُ به المرءُ من القلق والتوجس من الآخر داخل وسائل المواصلات فثمة إرادة للحياة المُتمثلة في الفن، إذ ما إن يمرُ أسبوع على واقعة هجمات باريس حتى تبداُ نشاطات فنية في وسط المدينة وترتادُ البطلة برفقة صديقتها .س. عرض مسرحية تشيخوف (بلاتونوف)، ما يعني أنَّ المكان يرفض التخلي عن هويته الثقافية المُنفتحة على الحياة. كذلك لا ينسحبُ مواطنو المدينة نتيجة وجود التهديدات، إذ ينهضُ المجتمعُ بعد الهزيمة. لكن هذا لا يعني أنَّ ما وقع يُمحى أثره بمجرد وجود رغبة لممارسة الحياة اليومية، خصوصاً أنَّ الحدث ألقى بظلاله على الفئات الاجتماعية كافة بما فيها الأطفال الذين يتساءلون عن هذا الخطر، ويدركون ما فرضه من حذر وتبدل في السلوكيات.

خطاب معتدل

على عكس ما يسودُ في القنوات السياسية من ردود فعل عنيفة عقب وقوع هجمات المتطرفين على الدول الأوروبية، ومن ينساقون وراء هذا الخطاب المُتشنج من مثقفين ومفكرين، فإنَّ مقاربةَ لورانس تارديو، برغم تصاعد النبرة الذاتية في عملها، تأتي معتدلة ولا تُحَمِّلُ الدين مسؤولية وقوع الكوارث الناجمة من العنف، بل تكشفُ على لسان الراوية، بضمير المتكلم، أنَّ تلك الهجمات أبانت لها المظاهر المعبرة عن الاختلاف الديني والثقافي. هي عاشت، كما تقولُ، متجاورةً مع المسلمين ولم يلفت ملبسهم نظرها قبل تاريخ 7 يناير الذي تحول إلى لحظة مفصلية ليس بالنسبة إلى الفرنسيين فحسب بل أيضاً إلى الوافدين والمهاجرين، إذ تكلفهم الإجراءات المتشددة مزيداً من المعاناة. من جهة لم يَعُدْ لهم وطن، والوصول إلى وطن بديل بات شبه مستحيل من جهة أخرى. لذا يبقون على الحافة والعتبة على حد تعبير صاحبة الرواية.

أكثر من ذلك، يتفاعل النص مع صورة إيلان الكردي الطفل الذي رمته الأمواج على الشاطئ حيثُ يسكنُ المشهد التراجيدي مخيلة الكاتبة. ويُضاعفُ من تأثير الصورةِ حس الأمومة لدي الراوية. في ظل هذا المُناخ المشبع بالخوف لا ينقطعُ خيط الذكريات ويتواترُ ضمن العمل ما يُحيلُ إلى مكونات بيت الطفولة إذ يعاد تأثيثه من جديد في التشكيلة السردية بفضل ما يسميه إمبرتو إيكو «كتالوغاً»، أي متتالية من المُفردات والعبارات مثلما تراه في رص أسماء الأطعمة ومحتويات الحاضنة المكانية.

ملمحُ آخر من الرواية هو استحضار الأم بوصفها رمزاً للأمان، إذ تبحثُ البطلةُ في متاجر العطور عن أثر الأم التي تتعطر بـ«ميتسوكو»، وبذلك يُفهم بأن الأمان والمنزل والأم ثلاثية مترابطة وما يبرزُ القيمة المعنوية للمنزل هو قول الكاتبة بأن فقدان المنزل يعني «فقدان العنصر الوحيد الذي يهديني متعة الديمومة».

يُذكر أنَّ الراوية التي هي الأنا الأخرى للكاتبة تتوسل في قراءة أعمال الكتّاب الذين عاشوا تجربة العنف للتأقلم مع حالة بلادها. ولا يختفي شبح الخوف بمرور عام على هجمات باريس واستقبال الراوية مولودها الجديد، ويكبرُ ألمها كلما رأت مظاهر العسكرة في الشوارع.

لورانس تاديو تؤكدُ أن العنف الذي يتلبس أردية الدين ليس إلا نتيجة لحب السلطة والمتعة. تتميزُ هذه الرواية القصيرة (نوفيلا) بلغة كثيفة وشخصيات قليلة والاهتمام بالبنية المكانية.

back to top