صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3927

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

بلا جناح

  • 11-08-2018

أشعرُ بصداع شديد منذ يومين، كان قد بدأ منذ أسبوع لكنه لم يكن بالشّدة هذه، كنتُ أتغاضى عنه، وأكتفي بالمسكّنات. لكنه منذ يومين صار حاداً، أشعرُ كما لو أن في رأسي كتلة من الجمر يزداد لهيبها مع الحركة، والالتفات، والتنفس. أجلسُ على كرسي المكتب متجمداً أتجنب الحركة، كان يُفترض أن أذهب إلى ثلاثة أماكن خارج المكتب ضمن خطة التسويق، ولكنني اعتذرت وأجّلت الزيارات إلى الأسبوع القادم. مديرتي المباشرة غاضبة، وتطلق التهديدات: «أنت أصلاً لا تستحق هذه الوظيفة التي تكرّمنا بها عليك!»، «أنت بلا شهادة ولا خبرة»، «الأعمال الموكلة إليك تافهة ومع ذلك تتوانى عن أدائها»، «أنت تبالغ!»، «يبدو أننا دللناكَ كثيراً».

أما الأخيرة، فلا أدري أي تدليل تتحدث عنه، فأنا في قعر السُّلم الوظيفي وأستلم 310 دنانير تتبخر خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع في أحسن الظروف، خاصة مع القروض التي نتكبدها، ما أُسميه «مكتباً» هي غرفة تم بناؤها بالجدران الجبسية بمقاس مترين ونصف في ثلاثة أمتار، حشروا فيها بصورة إبداعية مكتبين صغيرين أسودين وثلاثة مقاعد سوداء وجهاز حاسوب واحداً وخزانة حديدية رمادية للملفات، أستخدم هذا «المكتب» أنا وزميلان آخران، أحدهما عاصف، شاب باكستاني من المقيمين في البحرين مع عائلته، والثاني حسن، شاب في أواخر العشرين من عمره، نتحرك في المكتب بصعوبة، ولحسن الحظ فإنه نادراً ما نكون ثلاثتنا هنا، فجزء كبير من عملنا يكون خارج المكتب وخارج مقر الشركة. لقد درّبتُ نفسي جيداً على عدم الرد على مديرتي لا بالكلام ولا تعابير الوجه، لعلها مهارة تستحق أن تُضاف إلى مهاراتي في سيرتي الذاتية.

أما كوني بلا شهادة وخبرة فذلك صحيح، ولكني أيضاً في وظيفة لا تحتاجُ إلى شهادة ولا إلى خبرة، نعم، ما أقوم به أعمال ترتيب ملفات واتصالات تافهة، ولكنها مرهقة وكثيرة، لا أحصل على ساعة راحة كل يوم، مرات كثيرة أعود إلى المنزل دون أن أكون قد صلَّيت الظهر، لستُ متديناً لكن والدتي ربتنا على الصلاة والالتزام بها، وكان أبي محافظاً على الصلاة، فأشعر وأنا أحافظ على صلاتي وأنا أؤديها بنوع من الوفاء لوالدي، بنوع من الولاء، كي لا أُخيّب ظنه بي. لا أدري إن كان هذا يجعل صلاتي غير صحيحة، إلا أن هذا ما أشعر به. لكني صِرتُ كثيراً ما أعود إلى المنزل وقد فاتتني صلاة الظهر ومرات حتى صلاة العصر. تستاء أمي، وتزيدني كثرة إلحاحها توتراً، وتجعلني أشعر بأنني عندما أصلي فكأنني أقوم بذلك لها، فأستاء من صلاتي، وتفقد خصوصيتها.

بينما كنت جالساً هذا الصباح منكفئاً على إحدى الملفات، وإذا بكوب يوضع إلى جانبي على الطاولة، كان المشروب الساخن ذا لون بني باهت مصفر، فاحت منه رائحة الزنجبيل الحادة، رفعت رأسي فإذا بزميلي حسن هو من وضع الكوب.

– شاي البابونج بالزنجبيل، جيد للصداع.

– شكراً... لم يكن له داعٍ.

– اشرب يا بطل، وادعُ لي!

كان حسن هو الآخر من الذين انضموا إلى الجامعة ولكن لم يتموا الدراسة، ورغم ذلك فقد لامني حسن كثيراً عندما عرف عن وضعي مع الجامعة، واستنكر انسحابي عندما علم بأن درجاتي كانت تترنح بين الجيد (وكان ذلك هو الغالب) والجيد جداً (وكان الأقل)، ومع ذلك انسحبت من الجامعة. هو لم ينسحب ولكن تم فصله لضعف درجاته ورسوبه المتكرر، كان طالباً بقسم الفيزياء، كان يحب الفيزياء ولكن كان يعاني صعوبة في اللغة الإنجليزية، رغم أنه نبيه ويتعلم سريعاً عندما يتم تدريبنا أو توجيهنا في العمل.

بعد أن تم فصل حسن من الجامعة، اشتغل أولاً في محطات وقود السيارات، وبعد ثلاثة أشهر تقدّم للزواج من هدى... ابنة خالته، وكانت في نهاية السنة الأولى من الجامعة في قسم اللغة العربية، وكانت سمعة حسن في العائلة وفي الحي ممتازة، فهو اللبق الشهم المعاون، مسالم ودائم الابتسام، متجنب للجدال، لم تتردد هدى ولا والداها بتزويج ابنتهم بحسن. سألته مرة: «ألم يعترضوا على كونك بلا شهادة وعلى دخلك الضعيف؟» فأجابني: «رزق هدى مكتوب لها سواء كانت عند والديها أو عندي». طبعاً في زمن تنامت فيه نسب الطلاق والخيانة، أمثال حسن قليلون، بل الأقل منهم الفتيات والآباء الذين يعرفون قدره. النظرية الآن هي تزويج ابنتك لمن عنده مال، أما الدين والأخلاق فالهداية من الله، أما أن تزوجها صاحب خلق وتقول الرزق من الله فهو ضرب من الجنون لدى العامة. أمثال حسن عادة ما يعانون في البحث عن زواج ومحاولة الاستقرار وبناء أسرة، لقد كان محظوظاً بهدى ووالديها. أو ربما كانت هدى محظوظة بحسن، أم... أم هل يا ترى كلاهما واهمان ويخدعان نفسيهما بتوهم السعادة في أصعب الظروف المادية؟ لقد أتمّت هدى الجامعة منذ سنة وهي الآن معلمة لغة عربية في إحدى المدارس الإعدادية الحكومية، ولديهما طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات وأخرى تبلغ من العمر ستة أشهر.

شربتُ شاي البابونج بالزنجبيل، كانت تلك أول مرة أجرب فيها شاي البابونج، فأمي كثيراً ما تغلي الحليب مع الزنجبيل كعلاج للزكام والتهاب الحلقِ، أما هذا فقد كان مشروباً جديداً علي. أحببته، ولعل أحلى ما فيه كان أنه جاء من غير طلب من شخص ليس مطالباً بالعناية بك، جاء من شخص ظروفه صعبة يحقّ له في أن يقول «بالكاد أجد متسعاً لرعاية مصالحي!» لكنه اختار ألاّ يفعل، واختار أن يهتم لأمرك.

– كيف يعقوب الآن؟

– لا جديد.

– الله يصلحه.

لم أؤمّن، فقط رشفتُ من شاي الزنجبيل، كان طعمه قوياً، شعرتُ بلسعة الزنجبيل تسري في حلقي، صمتُّ وأطرقتُ برأسي، في داخلي لم أعتقد بأن يعقوب سيتغير للأحسن، لم أكن أودّ أن أقولها كي لا يقولوا لي إني لا أؤمن بقدرة الله، إنني فقط لا أؤمن برغبة يعقوب في التغيير.

– أنا وهدى قررنا أن ننتقل إلى شقة قريبة من منزل والدتي. مشوار أخذ البنات للوالدة قبل المجيء للعمل يأخذ مِنّي ساعتين ومن هدى ساعة ونصف، ومع الاختناق المروري الذي يبدو قائماً طوال اليوم، صار الأمر لا يُطاق.

– نعم، لا أعلم إلى متى سيظل الوضع هكذا.

– لن يظل هكذا، بل سيسوء. عدد السيارات والسكان بازدياد مضطرد، وتطوير الشوارع والطرقات بطيء.

– ربما عندما نصبح أنا وأنت وزراء سيتم إيقاف السيارات لنا!

– أوه، هذا أمر مبشر إذن! لم يبقَ الكثير!

وضحكنا، وكما لو أن ضحكنا سمّ زعاف، جاءت مديرتنا مسرعة وأطلّت برأسها كثعبان بشعر منفوش عبر شقّ الباب.

– أنا لا أدفع لكما لتتسليا.

– حسناً.. فقط...

– عودا إلى العمل الآن!

كانت مديرتي سيدة خمسينية طويلة نحيفة جداً، رقبتها طويلة بشكل غريب منبعج للأمام كعنق ناقة، وشعرها القصير منفوش كالقش تتخلله شعرات بيضاء عبثاً تحاول إخفاءها بصبغ شعرها بلون أشقر يميل للبرتقالي. كانت ذات وجه طويل ذي أنف كبير سميك معقوف، وقد ترهّل الجفنان العلويان فوق عينيها الصغيرتين المتقاربتين. شفتاها نحيلتان مزمومتان، يعلوهما كثير من التجاعيد التي يتسرب إليها أحمر الشفاه الذي تضعه. نظرت المديرة إلينا باستياء، فأسرع حسن إلى مكتبه، وبدأ يُقلّب الأوراق في الملف الموضوع أمامه، أما أنا فواصلتُ إدخال البيانات من القوائم على مكتبي في الملف المفتوح أمامي على شاشة الحاسوب. بعدما اطمأنت المديرة على عودتنا إلى قواعدنا سالمين، سحبت رأسها خارج المكتب وأبقت الباب مفتوحاً استعداداً لمداهمة أخرى.

تذكرتُ سارة، وتساءلتُ لو أني تجرأت مثل حسن على المغامرة... هل كنا معاً رغم الظروف الصعبة؟ ربما حال حسن أفضل كونه استطاع أن يسكن مع والديه لسنتين، وهذا خيار غير متاح لي في منزل لا يكاد يتعدى ما يحمله مفهوم «استوديو» في عالم العقارات، كما أن هدى على علم بوضع حال حسن لكونها قريبته، أما سارة... فرغم أنها من عائلة أقل من متوسطة، فلا تزال أفضل حالاً مني كثيراً، فهم لم يحتاجوا قط للزكوات، ولديهم شقة عادية ذات ثلاث غرف حقيقية في مبنى عادي في منطقة حديثة من مدينة عراد، ويملك كلٌّ من والديها سيارة خاصة، وكلاهما حاصل على الدبلوم ووظيفة حكومية، ولها أخت واحدة فقط. بعد أشهر من الحرب الشعواء في داخلي كنتُ قد استجمعت قواي وصارحتها بأننا بسطاء...، فكان ردها: «نحن من عائلة بسيطة أيضاً». كان ردها صاعقاً، فقد صنفتني ضمن نطاق أسرتها الغنية نسبة إلى أسرتي ولديها كامل مقوّمات الحياة التي نحلم بها. صمتُّ تماماً، بل خرست. شعرت بالخجل والضياع. هل أواصل الشرح لتفهم ماذا عنيتُ بكلمة «بسطاء»؟ لم أعرف ماذا كان يتوجب عليّ قوله.

حتى الآن أحتفظ بثلاثين ديناراً من معاشي الشهري في البنك، وأصرِفُ الباقي على البيت ومتطلباته، طبعاً دخلي أقل حتى من معاش والدي التقاعدي، لكن نحتاج هذه الإضافة. ربما على الأقل حتى تدخل فرح الجامعة، ونحن نأمل في حصولها على بعثة ومنحة صغيرة تعينها. ربما أعود حينها إلى الجامعة، وأكمل ما تبقى من مقررات خلال سنتين، ربما أحصل على وظيفة أفضل، وأتزوج. أتزوج سارة... إن لم تكن قد تزوجت حتى ذلك الحين. بل وإن قبلت بي بعد أن انسحبت من حياتها بنفس الهدوء الذي دخلتُ به فيها. لقد جرحتُ كبرياءها، وأكادُ أجزم أنها لن تغفر لي. لكن إن لم تكن متزوجة وقت تخرجي فسأتقدم لخطبتها، إبراراً بقسمي الذي لم أتلفّظ به إلا في قرارة نفسي، ولترفضني حينها، لعل ما سيقلل من مرارة الفراق هو أن تكون هي من ستتركني. أعتقدُ بأنني حينها، رغم كوني كلي أمل بقبولها، سأكونُ قد استحققتُ ما حلّ عليّ من سخط، وقد أكون أعطيتها فرصة للانتقام مني، كي تتركني كما تركتها.

قبل ساعة ونصف الساعة من انتهاء الدوام، يرنّ هاتفي النقال، رغم أني لا أتلقى كثيراً من المكالمات خاصة وأنا في الدوام، كان كالعادة على وضع «هزاز»، خوفاً من أن تصبّ عليّ مديرتي لعناتها إن سمعَت صوته. سحبتُ الهاتف النقال من جيب بنطالي ونظرتُ إلى شاشة الهاتف، فإذا به رقم المنزل. كان ذلك غريباً؛ فأمي وأُختاي لا يتصلنّ بي في العمل.

– أمي؟

– أحمد...

يتلوه صمت، وأنا أستمع... ثم شهقة طويلة، تردفُ بعدها أمي: «ارجع يا أحمد. تعالَ البيت. تعال الآن».

– ماذا حدث يا أمي؟

– ارجع يا أحمد.

يبدأ صوت أمي بالارتعاش. لم أعد أريد أن أسمع أكثر، هناك خطب ما، ولسانها لا يستطيع أن ينطق به، أرهبني الموقف، ولم أعد أريد أن أسمع ما حصل. أُغلقُ الهاتف، وأنهضُ من مكتبي، لا ألتفتُ إلى حسن، فلا أعرف ماذا أقول. كنتُ سأخرج لولا أن تذكرت مديرتي وتخيلتُ بسرعة الحوار العقيم المليء بالصراخ معها، ألتفتُ نحو حسن بوجهي دون أن أنظر إليه في عينيه وأقول له: «هناك أمر طارئ في المنزل، يجب أن أذهب. رجاء أخبر المديرة». أسرعتُ خارجاً، وقلبي يخفقُ بقوة.