صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3931

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

فاتن حمامة... «أنا بنت ناس» (2- 31)

استقر رأي الوالدين، أحمد أفندي حمامة وزينب هانم توفيق، على اسم «سعاد» لمولودتهما الجديدة، وكان من المفترض أن يسجلها الأب به في سجل المواليد في مركز «صحة السنبلاوين»، لولا حالة موظف تسجيل المواليد «اسطفانوس أفندي» الصحية الصعبة. ولذلك، تأخر تسجيل المولودة حتى اليوم الخامس من مولدها، ليذهب والدها مجدداً إلى مكتب الصحة، ولكن هذه المرة باسم جديد.

ما إن عاد أحمد أفندي إلى بيته، حتى استقبله طفلاه «منير ومظهر» بعاصفة من الصخب والإلحاح في طلب رؤية شقيقتهما الجديدة، فقد حظر عليهما الأقارب الدخول إلى غرفة المولودة، كي لا يزعجاها ويزعجا الأم، التي لم تغادر فراشها.

سمح لهما والدهما بالدخول فأسرعا إلى الطفلة يقبلانها، ويسألان متى ستنزل من فوق الفراش، لتلعب معهما. غير أن الأب أخبرهما بأن الوقت لا يزال مبكراً، فركض شقيقها الأكبر منير إلى غرفته وأحضر دميته، التي سبق وصنعتها له والدته من «قصاقيص القماش» ليضعها بين أحضان الضيفة الجديدة. عندئذ، نظر الوالدان إليه بدهشة، وبادرته والدته:

- فرحان يا منير علشان جاتلك أختي؟

ـ آه فرحان أوي...

= فرحان لدرجة انك تديها عروستك؟

ـ أنا مش عايز العروسة دي تاني.

- أوام كدا استغنيت عن «فاتن».

ــ علشان مش بتتكلم... لكن أختي بتتكلم.

= هاهاها. بتتكلم كدا مرة واحدة. دي يا دوب تقدر تعيط بالعافية. حتى صوتها في العياط رقيق زيها... بتطلّع الصوت بالعافية.

ـ أنا عايز أبوسها.

- بوسها بس بشويش. دي ماتستحملش مش زي «فاتن» بتاعتك.

ـ لا.. هي دي «فاتن» بتاعتي. أنا مش عايز فاتن التانية.

= بتاعتك لوحدك. ومش بتاعتي لا أنا ولا ماما... ولا حتى مظهر أخوك؟

ـ آه.. بتاعتي أنا.

= لا يا حبيبي دي بتاعتنا كلنا... أختكم وبنتنا.

ـ أنا عايزها بدل فاتن الوحشة دي. دي حلوة... وأسميها فاتن برضه.

- هاهاها. على رأي المثل: خدو فالكم من عيالكم... طب إيه رأيك ياسي منير هنسميها «فاتن» علشان خاطرك.

ـ خلاص. خدي انتِ فاتن دي... وأخد أنا فاتن أختي.

لم يكن اسم «فاتن» منتشراً في ذلك الوقت من مطلع الثلاثينيات، ليس في «السنبلاوين» أو المنصورة فحسب، بل في مصر عموماً. كان من النادر أن نجد آنذاك فتاة أطلق عليها هذا الاسم الغريب من نوعه، إذ كان من الممكن أن يُطلق على ولد لأنه اسم مذكر، وإن اختير لأنثى، فكان يجب أن يكون «فاتنة»، وهو اسم كان منتشراً كثيراً في المجتمعات العربية ولا يزال. رغم ذلك، اقتنع الوالدان بالاسم الذي أطلقه ابنهما الأكبر «منير» على شقيقته الصغرى «فاتن» ليذهب الأب في اليوم الخامس من ميلادها ويسجلها في مكتب صحة «السنبلاوين» باسم «فاتن أحمد حمامة».

لم يكن خافياً على أحد أن حال رجال التعليم كحال مهندسي الري ورجال القضاء والشرطة، إذ لا يستقرون في مكان واحد، فهم دائمو التنقل من مدينة إلى أخرى، ومن مديرية إلى أخرى. لم تمرّ أشهر عدة على مولد الصغيرة فاتن، حتى بدأ يظهر الخير الذي رأت والدتها بشائره في رؤياها، إذ نال الوالد ترقية جديدة في عمله بوزارة المعارف، وكطبيعة عمل رجال التربية والتعليم في الترقي.

ثمن العلم

استدعت ترقية أحمد أفندي حمامة نقله إلى القاهرة ليعمل في ديوان عام الوزارة، بمنطقة المنيرة في «عابدين»، أحد أهم الأحياء وتتميز بطابع معماري فريد يجمع بين الأصالة والمعاصرة. يرجع تاريخه إلى عهد الخديوي إسماعيل عندما حلم بطراز مختلف للعاصمة، فأصدر أوامره لوزير أشغاله علي باشا مبارك في هذا الشأن، فشق الطرق الجديدة والدروب والأزقة وأقام ميداناً فسيح الأرجاء وخطّط لبناء قصر جديد ليكون مقراً للحكم، ما جعل الميدان مركزاً تتفرع منه شوارع عدة إلى «ميدان الإسماعيلية» (التحرير الآن)، و«الأزبكية» حيث «شارع عابدين» و«شارع عبد العزيز» و«شارع الدواوين»، ثم «ميدان السيدة زينب»... كانت المنطقة عبارة عن مجموعة من «البرك» الراكدة مثل «الفراعين، والسقايين، والفواكه، والناصرية»، ومجموعة من المستنقعات تتخللها سلاسل من الهضاب والكثبان الرملية والقلاع التي أقامتها قوات الاحتلال الفرنسي، وتمتد هذه المنشآت من منطقة السيدة زينب إلى شارع المبتديان. سوّى علي باشا تلك الهضاب والمرتفعات وردم البرك، فأصبحت المنطقة إحدى أجمل مناطق القاهرة الحديثة.

غير أن حي «عابدين» لم يصبح مجرد دائرة للحكم تجمعت حوله مقار النظارات والمصالح الحكومية، كنظارة الحقانية، والأوقاف والمعارف العمومية، والداخلية، بل بنيت حوله أيضاً بيوت رجال السياسة كقصر سعد باشا زغلول، وحسين باشا رشدي، ومحمود باشا الفلكي، وغيرهم. وقامت أيضاً مقارّ الأحزاب الكبرى والقنصليات والسفارات، وأقيمت حوله دور الصحف الكبرى من بينها «روز اليوسف والبلاغ»، وغيرهما، لتتسع الدائرة وتُقام شوارع حديثة أطلقت عليها أسماء أعلام السياسة، وقادة الجيش، والأدب والثقافة، وسكنها عدد كبير من أبناء الطبقة الوسطى، ممن يعملون في المحاماة والسلك القضائي والطب والهندسة والتعليم. أطلق على أحد هذه الشوارع اسم «إسماعيل باشا أبو جبل»، وهو كان قائد أحد الألوية في حرب «القرم»، ثم عينه سعيد باشا والي مصر، رئيساً لمجلس الأحكام، حيث ظلّ حتى أحيل إلى التقاعد في عام 1879.

أحمد أفندي وجد هذا الشارع مناسباً ليسكن فيه هو وأسرته الصغيرة، حيث وقع اختياره على الطابق الثاني من المنزل الأول في الشارع، لتلحق به زوجته وطفلاه «منير ومظهر» ومعهم «فاتن» بعد أقل من شهر على تأسيس منزل الأسرة الجديد.

فن الحياة

كانت الأم زينب هانم توفيق، والأب أحمد أفندي حمامة، المدرسة التي تلقت فيها الطفلة فاتن دروسها الأولى في التعليم والحياة. ما إن خطت الصغيرة خطواتها الأولى، حتى حرصت زينب هانم على أن تغرس في داخلها حب كل شيء جميل، وتعلمها فن الحياة في البيوت العريقة، كيف تجلس؟ كيف تأكل؟ كيف ترحب بالضيوف؟ فأصبحت موضع إعجاب الأب الذي رأى فيها ابنة مختلفة، وربما ينتظرها مستقبل مغاير. ولم يكن يخفي إحساسه هذا عن المحيطين به، وسط دهشة الجميع من ذلك، بمن فيهم زينب هانم نفسها.

حرص الأب على أن يتعامل مع طفلته التي لم تتجاوز عامها الخامس، كأنها شابة يافعة، يتحدث إليها، يطلعها على الجديد في الحياة، ويشرح لها كل ما يقع عليه بصرها. حرص على أن يعلمها كيف تتعامل مع الآخرين؟ كيف تلتزم وتصدق؟ كيف تعتد برأيها إذا كان صائباً؟ كيف تتمسك بالقيم والأصول والعادات والتقاليد؟ كيف تحترم الآخرين، ليبادلوها الاحترام؟ كيف تفي بالعهد؟ حافراً وصاياه في داخلها.

ما إن بدأت الأسرة تعتاد شارع «إسماعيل أبو جبل»، ومن فيه من جيران وأصدقاء، حتى جاءت ترقية جديدة لأحمد أفندي حمامة، عاد في إثرها إلى مديرية «الدقهلية». غير أنه نقل هذه المرة، إلى مدينة المنصورة، التي تبعد أقل من 20 كيلومتراً، من «السنبلاوين» مسقط رأس «فاتن»، وموطن بقية أفراد عائلتي الوالدين، المقسمين بينها وبين المنصورة. لذا لم يحتج أحمد حمامة هذه المرة إلى الذهاب أولاً بمفرده لتدبير أمر وصول العائلة لاحقاً، وتأسيس منزل جديد، إذ إن منزل العائلة موجود فعلاً، غير أنه في الوقت نفسه، أبقى على منزل الأسرة في شارع إسماعيل أبو جبل في «عابدين».

عادت فاتن إلى حضن العائلة الكبيرة، الأعمام والعمات، والأخوال والخالات. رجعت ابنة الخمس سنوات لتدهش كل من يراها، بجرأتها ورقتها في آن، بحديثها والتزامها بالعادات والتقاليد، رغم صغر عمرها، باهتمامها بالتعرف إلى كل ما يحيط بها، ومعرفة التفاصيل مهما كانت بسيطة. لفت ذلك أنظار الجميع إليها، فضلاً عن أن الأب لم يكتف بأن يلقن صغيرته الدروس الأولى في التعليم، قبل أن تلتحق بمرحلة التعليم الإلزامي، بل حرص على أن يخصص لها وقتاً يومياً ليسمعها آيات من الذكر الحكيم بصوت الشيخ محمد رفعت، مروراً بتلقيها فنون الثقافات الرفيعة، وتحفيظها بعض أبيات من الشعر، وتدريبها على فن إلقاء الأناشيد، وليس انتهاء باصطحابها إلى دار السينما، كلما زار المنصورة فيلم سينمائي جديد.

مولد نجمة

بات الذهاب إلى دار السينما تقليداً لم تستطع فاتن أن تتخلى عنه. حتى لو لم يكن الأب متفرغاً، كانت تصرّ على أن يصحبها أي فرد من العائلة، من العمات أو الخالات إلى صالة العرض، وكلما أعُجبت بممثل أو ممثلة، سألت والدها أو أياً من أقاربها عن اسمه، حتى باتت تحفظ أسماء كثيرين من الفنانين الذين تزور أفلامهم مدينة المنصورة: يوسف وهبي، ونجيب الريحاني، وعلي الكسار، وبهيجة حافظ، وأمينة رزق، وزينب صدقي، وأمينة شكيب. حتى كان الفيلم هذه المرة لواحدة من رائدات السينما المصرية، الفنانة آسيا، التي حرصت على أن تزور سينما «عدن» بالمنصورة في ليلة افتتاح عملها الجديد «زوجة بالنيابة»، من بطولة وتأليف أحمد جلال وإخراجه، ومعهما ماري كويني ومحمود العربي، وزينب حلمي.

اصطحب أحمد حمامة الابنة فاتن إلى السينما، حيث جلست تتابع الفيلم باهتمام شديد، وما إن انتهى العرض وأضيئت الأنوار، حتى أطلت النجمة آسيا على جمهورها من «بنوار» جانبي، تصادف أن وقف أحمد حمامة أسفله، وقد حمل الصغيرة بين يديه، فيما تحوّلت أنظار الحاضرين إلى النجمة، وراحوا يصفقون تصفيقاً حاداً لها، فنظرت فاتن إلى والدها وقد ارتسمت على وجهها سعادة، لم يرها عليها سابقاً:

* شايف يا بابا... شايف الناس بتصقف لي.

= هاهاها بتصقف لك انت؟

* أيوا... شايف. أهم.

= وعرفتِ منين بقى يا ست فاتن أنهم بيصقفولك.

* علشان كلهم بيبصوا عليّ ويصقفولي... مش كده برضه.

= طبعاً طبعاً يا حبيبتي بيصقفولك. أمال ماهم أكيد عرفوا أنك شاطرة.

* وكمان بيبصوا على الست دي.

= آه طبعاً... دي الفنانة آسيا.

* دي اللي كانت في الفيلم.

= بالظبط كده... برافو عليك يا فاتن.

* هم الناس بتصقف لها علشان هي كانت شاطرة في الفيلم يا بابا؟

= ما شاء الله عليك... بالظبط يا روح بابا.

* على فكرة أنا كمان أعرف أعمل زي الست آسيا في الفيلم اللي واقفة فوق دي.

= تعرفي تعملي إيه؟

* أعرف أقول الكلام اللي كانت بتقوله في الفيلم والناس تصقفلي برضه.

= كده... طب يلا بينا بقى على البيت يا ست فاتن. ولما نروح ابقى فرجينا شطارتك وورينا أزاي هاتمثلي زيهم.

منذ ذلك اليوم بدأ ولع الصغيرة فاتن بهذا العالم الساحر الذي فتنها، ذلك العالم الذي يختبئ أبطاله داخل تلك المساحة البيضاء المسماة «شاشة». ما إن عادت إلى المنزل بصحبة والدها ووالدتها، حتى بادرت بتذكير والدها بطلبه منها، وما وعدته هي به، بأن يرى إذا ما كانت تستطيع أن تفعل ما فعلته آسيا في الفيلم، ووعدها بأن تمثل مثلها حتى يصفق الجميع لها. قرر والدها منح صغيرته هذه الفرصة، في ظل وجود بعض أفراد العائلة من الأعمام والعمات.

أعطى لها الإذن، فاعتبرته إشارة البدء، لتتحول الصغيرة فجأة إلى شخص آخر، جرت بسرعة واستأذنت والدتها في «طرحتها» التي تغطي بها رأسها، فابتسمت الأم، وهزت رأسها في دهشة وناولتها لها. وضعتها فاتن بسرعة وخفة فوق رأسها وعقدتها من أسفل ذقنها.

راحت فاتن تتلفت حولها، يميناً ويساراً، كأنها تهرب ممن يطاردها، تركض، وتقع ثم تنهض، تختبئ خلف أحد الكراسي، ثم تخرج في هدوء، وهي لا تزال تتلفت. أسرعت إلى طاولة الطعام، واستخدمت أحد الكراسي في الصعود إلى الطاولة وهي تتعمد أن تتعثر، حتى صعدت فوق الطاولة، معتبرة إياها «سطح المركب» الذي اعتلته آسيا في بداية الفيلم، وهي تحاول أن تهرب من العاملين عليه، لأنها لا تحمل أوراق السفر.

وقفت فاتن فوق الطاولة، وراحت تتلفت حولها وفي عينيها نظرات الخوف والفزع، فيما يميل والدها على أحد الموجودين ليشرح له طبيعة المشهد كما هو موجود في الفيلم، غير أن ذلك لم يقطعها من اندماجها، ولم يخرجها من تقمصها الشخصية، وراحت تواصل حركات الهرب والفزع من مطارديها، بشكل أطالت فيه، حتى أن أحد أعمامها ضحك وقال: «هو فيلم صامت ولا إيه؟».

لم تعره فاتن اهتماماً، وواصلت تحركاتها، ثم خلعت «الطرحة»، واتجهت ناحية والدها ووقفت تنظر إليه، ففهم أنها ستستعين به في الحوار. قرر أن يجاريها ويجسد الشخصية التي ستتحاور معها، باعتباره شاهد الفيلم معها، ويمكن أن يتذكر حوار هذا المشهد:

* وبعدين... عايز منيّ إيه؟ أنا مش فاهمة غرضك إيه، بردون بابا، يظهر أنك سكران أتفضل أخرج بره!

= مش حضرتك تبقي...

* أمينة هانم مرات محسن باشا.

= كده... تشرفنا جداً يا أمينة هانم. طيب بس يعني تسمحي تقوليلي حضرتها تبقى مين؟

* أمينة هانم مرات محسن باشا.

= غريبة. أنا أعرف أن في أمينة هانم واحدة. إذا كان دي أمينة هانم... انت تبقي مين... وإذا كنتِ أمينة هانم دي تبقى مين... ممكن أعرف؟

* أنت عارف أنا مين.

= طبعاً عارف. عارف أنك ناهد البنت المتشردة الضايعة اللي قتلت أمينة هانم.

* أنا!! أنا اللي قتلتها؟

= أمال أنا. أسمعي يا ناهد انت مش قدي... وأحسن لي ولك أننا نتفق.

* نتفق على إيه؟

= على إنك تنسي اللي شوفتيه وأنسى أنا كمان اللي شوفته.

ما إن انتهت فاتن من أداء المشهد، حتى صفق لها الجميع، واحتضنها والدها، وراح الحاضرون في الجلسة يثنون عليها وعلى أدائها، فيما يؤكد الأب فكرة المشهد ومطابقة الحوار مع الحوار الذي دار بين الفنانة آسيا والفنان أحمد جلال، وإن كان أداء فاتن يغلب عليه الطابع الطفولي.

الفتاة الأولى

كانت هذه المرة الأولى التي تحاول فيها فاتن تقليد مشهد من أحد الأفلام، غير أنها لم تكن الأخيرة، إذ اعتادت ذلك لاحقاً، سواء طلب منها والداها بحضور بعض الضيوف، أم لم يطلبا. حتى أنها صارت تقف إزاء المرآة تقلد من شاهدتهم يتحركون في داخلها. وبعيداً عن تمثيل مشاهد من الأفلام، كانت لا تتردد في أن تقف فوق «طاولة الطعام» لترتفع قامتها وتلقى على ضيوف أسرتها بعضاً مما تحفظ من أناشيد، فتلقى التصفيق ونظرات الإعجاب وكلمات الإطراء، ويشجعها والداها لإحساسهما بأن لديها موهبة مختلفة.

كانت سنوات نقل أحمد حمامة إلى المنصورة انتهت، وكان عليه العودة إلى القاهرة، حيث حي «عابدين» مجدداً. آنذاك نظّمت مجلة «المصور»، مسابقة لاختيار ملكة جمال الأطفال، وما إن قرأ الأب عن المسابقة في المجلة، حتى سارعت زينب هانم إلى إعداد فاتن للمشاركة فيها، رغم اعتراضه، ليس لشيء سوى الخوف على ابنتهما من «الحسد» فهو مذكور في القرآن الكريم. غير أن الأم استطاعت أن تقنعه، ولم يتردد بعدها الأب، وأخذ فتاته لتصويرها عند أكبر مصور في الحي، وأرسل الصورة إلى مجلة «المصور». لكن النتيجة جاءت مخيبة لآمالهما، إذ جاء ترتيب فاتن الثالثة لتكون «الوصيفة الثانية». غضبت الأم بشدة، وشعرت بأن ثمة «تزويراً في النتيجة، وأن ثمة معايير أخرى تحكمت في المسابقة، لأنها كما تقول: «طفلتها أجمل طفلة، ليس في مصر فحسب، بل في الشرق كله».

غير أن ذلك لم يحبط الأم، فلم تمر ستة أشهر بعدها، حتى أعلنت مجلة «المصور» مسابقة أخرى، ولكن ليس لأجمل وجه بل لأفضل «زي» يمكن أن يرتديه طفل أو طفلة، ورصدت للفائزين والفائزات بعض الجوائز المالية والهدايا. هنا، لم تتردد الأم في إشراك فاتن في هذه المسابقة أيضاً. لكن ما الزي المناسب الذي يمكن أن تصوّرها به؟ سارع الأب إلى شراء عدد من أجمل الفساتين التي ربما تصلح لهذه الصورة، غير أن الأم وجدت أن ذلك سيكون تقليدياً. وبعد تفكير ومشاورات، استقر الوالدان على أن يحضرا لها ملابس «ممرضة» لالتقاط صورة لها بها، وقبل أن يضغط المصور على «مفتاح» الكاميرا، اقتربت الأم منها وهمست في أذنها:

ـ أنت عارفة اللبس دا مين اللي بيلبسه يا فاتن؟

* أيوا طبعاً عارفة وفاهمة... دى ممرضة بتعالج المرضى.

= برافو فاتن.

* ماتخافيش مامي أنا فاهمة كويس.

= حيث كدا بقى عايزاك تحسي إنك ممرضة فعلاً... وفيه مريض قدامك هاتعالجيه.

* هو فين المريض ده؟

= مافيش مريض... لكن هاتتخيلي انه موجود ومحتاج أنك تساعديه علشان يخف.

* تمثيل زي الأفلام اللي في السينما يعني.

= بالظبط... برافو عليك. زي اللي في السينما.

نظر المصور في عيني الصغيرة فاتن حمامة، فلم يصدق ما رآه.

البقية في الحلقة المقبلة

«منير» الشقيق الأكبر يختار اسم دميته «فاتن» لشقيقته الصغرى

والداها كانا المدرسة الأولى التي لقنتها دروساً في «فن الحياة»

بات الذهاب إلى دار السينما تقليداً لم تستطع فاتن التخلي عنه

فيلم «زوجة بالنيابة» يفجّر إحساس «النجومية» داخل الصغيرة

الأم تكذّب نتيجة مسابقة مجلة «المصور» وتقرر المشاركة في مسابقة «الاثنين»