صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3899

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«أبو قير» يقود صديقه إلى الموت غرقاً وحرقاً (1 - 30)

لا تزال الليالي العربية التي اعتاد العرب الاستمتاع بحكاياتها، طوال شهر رمضان، خلال القرنين الأخيرين من هذا الزمان على الأقل، قادرة على إثارة الدهشة. يكفي ذكر «ألف ليلة وليلة» لتتخلق أجواء رائعة خارج العقل والتصور، يكفي كي ترفرف أحصنة في السماء، وتتكلم أشجار بفصاحة، وتستطيع الجبالُ أن تطير، إلى الدرجة التي تجعل القارئ عاجزاً عن مقاومة سحرها، الذي ينسيه كثيراً من الضغوطات التي يواجهها في الواقع. كما عودناكم كل عام، تواصل «الجريدة» سرد حكايات ألف ليلة وليلة. توقفنا العام الماضي عند الليلة الرابعة والعشرين بعد الأربعمئة، التي تروي حكاية «أبو قير الصباغ وأبو صير المزين»، وهما صديقان من مدينة الإسكندرية، قررا مغادرة المدينة بسبب ضيق الحال، فركبا البحر معاً، على أمل أن يجدا في بلد آخر قدرة على العيش والكسب.

تقول الحكاية إن أبا قير الصباغ، كان نصاباً وكذاباً، استطاع أن يقنع صديقه الطيب المكافح «أبا صير المزين»، بالسفر معاً بحثاً عن الرزق، فركبا سفينة معاً ظل أبو قير يأكل فيها وينام، متأثراً بدوار البحر، بينما كان «أبو صير» يعمل فيها مزيناً يحلق لكل من على السفينة، ليجمع الدراهم والطعام، ثم يقتسمها معه. حينما وصلا إلى إحدى المدن،

وما زالا على هذه الحال 40 يوماً، وكلما قال أبو صير لأبي قير: تعال معي لنتفرج على المدينة وما فيها. أجاب بأنه ضعيف لا يقدر على المشي، فيتركه نائماً في حجرتهما بالخان، ويمضي هو ليعمل ويشقى، ثم يرجع إليه بالطعام والشراب.

ذات مرة أراد أبو صير أن يخرج من الخان لمزاولة عمله كعادته، ولكنه لم يستطع لشعوره بالمرض والتعب، فبقي راقداً بجانب زميله، الذي كان يأكل وينام فقط، ولما استيقظ «أبو قير» في صباح اليوم التالي، وجد «أبا صير» المزين فقد وعيه وغاب عن الوجود من شدة مرضه، فقام وأخذ كل ما في الغرفة من الدراهم المدخرة، ثم تركه وحده فيها، وخرج من غير أن يعلم بخروجه أحد.

ظل «أبو قير» سائراً حتى وصل إلى سوق المدينة، فاشترى لنفسه طعاماً أكله حتى شبع، واشترى ثيابا لبسها، ثم سار يتفرج على شوارع المدينة وقصورها ودورها ومتاجرها وقلبه يفيض بالسرور، غير مُفكر في صاحبه المريض الذي تركه وحده في الخان! ولاحظ أن جميع الملابس التي يرتديها أهل المدينة لونها أبيض أو أزرق، وليس هناك أي لون آخر، فعجب من هذا الأمر، حيث كانت صنعته هي الصباغة. فذهب إلى جميع الصباغين وشيخهم في المدينة لإقناعهم بمنحه رخصة افتتاح مصبغة، تصبغ جميع الألوان، لكنهم رفضوا أن يعمل لديهم، قائلين: «نحن لا نقبل أن يدخل في صناعتنا أي غريب عنا. فتوجه إلى شيخهم وشكاهم إليه، وطلب منه أن يسمح له بأن يفتح مصبغة لنفسه، فقال له شيخ الصباغين: «هذا غير ممكن أبداً». فذهب إلى الملك وأقنعه بأن يفتح له مصبغة كبيرة، وبالفعل أمر الملك بإنشاء مصبغة كبيرة لأبي قير وبأن يعطى كل ما يطلب من المال، ثم خلع عليه من أحسن ما عنده من الملابس، وأنزله في ضيافته إلى أن تم إنشاء المصبغة حسب طلبه.

إلى أن ساقت الأقدار أبا صير بعد شفائه من مرضه إلى الجهة التي فيها مصبغة زميله أبي قير، فلما وقعت عليه عيناه عرفه فوراً، ولكنه تجاهله وصاح به «أبو قير» غاضباً: ما الذي جاء بك إلى هنا أيها اللص الخبيث؟ أما عفوت عنك في المرة السابقة على أن تتوب ولا تعود إلى السرقة؟ ثم أمر مماليكه وعبيده بأن يقبضوا عليه ويوثقوه بالحبال. وبعد ذلك أطلقه، فذهب يسأل عن حمام يستحم فيه، فعلم أن المدينة كلها ليس بها حمام واحد، فقرر أبو صير المزين أن يذهب إلى الملك ليطلب منه إنشاء أول حمام في المدينة باسم «حمام السلطان»، فوافق الملك فوراً وبات أبو صير مؤسس أول حمام في المدينة.

 

دموع أبوقير

 

لما كانت الليلة الثامنة والعشرون بعد الأربعمئة، قالت شهرزاد للملك شهريار: «بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا صير المزين لم تمض عليه أشهر عدة بعد إنشاء الحمام حتى صار من كبار الأغنياء في المملكة، وعاش عيشة الملوك، وأحبه الناس جميعاً لحسن معاملته وكرم أخلاقه، إذ كان يحترم الكبراء ويخدمهم بنفسه، ويكرم الفقراء فلا يأخذ منهم أجراً على دخول الحمام، بل يعطيهم مما أعطاه الله.

وكان رئيس البحرية في المدينة في مقدمة المعجبين بأبي صير، حتى أنه اتخذه صديقاً له، وصار يمضي أوقات فراغه معه في الحمام أو خارجه في قصر أحدهما، وكلما مضت الأيام ازداد محبة له، وإعجاباً بظرفه وكرمه ولطف معاملته، وتمنى أن يرد له جميله عليه، ولكنه لا يجد طريقة لذلك.

أما أبو قير الصباغ، فكان طول تلك المدة مشغولاً بكثرة الأعمال في مصبغته، وكل أوقات فراغه يمضيها في إشباع رغباته المختلفة من الطعام والشراب والسماع وما إليها، ثم اتفق أن سمع بعض مماليكه وجواريه بأمر الحمام الذي أنشأه الملك في المدينة، وأطنبوا في مدحه وذكر مزاياه حتى شوقوه إليه ورغب في دخوله، وهو لا يعرف أنه حمام أبي صير.

وفي صباح اليوم التالي، لبس «أبو قير» أفخر ما عنده من الملابس، ثم خرج من قصره في موكب كبير، راكباً على جواد أصيل مسرج بالذهب والفضة، ومن خلفه أكثر من 20 مملوكاً من مماليكه على جيادهم، ووراءهم العبيد والسياس، وتوجه في هذا الموكب الفخم إلى الحمام، فلما اقترب منه وصلت إلى أنفه رائحة الند والعود والصندل، وشاهد ازدحام الأهالي على باب الحمام، وكلهم يتسابقون إلى دخوله، ولما رأوا موكبه وعرفوه، أوسعوا له الطريق حتى وصل إلى مدخل الحمام، فترجل هو ومماليكه وتركوا جيادهم مع العبيد والسياس، ثم دخلوا إلى دهليز الحمام فذهل أبو قير لما شاهد من فخامة البناء، وبدائع النقوش والزخرفة، والأثاث الفاخر، والمفروشات الثمينة، وروعة التنسيق، وتلقاه مماليك الحمام بالترحيب والإجلال.

وحانت من أبي صير التفاتة إلى الجهة التي وقف فيها أبو قير، فلما وقعت عيناه عليه عرفه، ونهض من مجلسه في صدر الإيوان، وسارع إلى استقباله مرحباً به كل الترحيب، فلما رآه «أبو قير» وعرف أنه صاحب حمام السلطان حسده على النعمة العظيمة التي صار فيها، وأكل الحقد قلبه، لكنه كتم غيظَه، وتصنَّع الفرح بلقائه وقال له وهو يبادله العناق والتحيات: كيف تكون هنا على مقربة من مصبغتي وقصري ولا تزورني، هل نسيتَ ما بيننا من الزمالة والصداقة؟ إنني والله تعبت من بحثي عنك، وكلفت مماليكي أن يسألوا عنك في الخانات بالمدينة فلم يعثروا على أي أثر لك، لذلك تنغصت معيشتي، وتكدَّر خاطري، ولم أجد أية لذة في كل ما حصلت عليه من الثراء والجاه لأسفي على فراقك.

تعجب أبو صير من كلامه، وقال له: ألم تعرفني يا أخي حينما جئت إليك في المصبغة، فاتهمتني بأنني لص أحاول سرقة الأقمشة منها، وضربتني حتى كدت تقتلني، ثم هددتني بضرب عنقي إن عدت إلى المصبغة بعد ذلك؟.

تظاهر أبو قير بالدهشة الشديدة، وقال له: ما هذا الذي تقوله يا أخي؟ هل جننت؟ كيف تقوى يدي على ضربك وأنت أعز عليّ من نفسي؟ ثم أخذ أبو قير يحلف أغلظ الإيمان مؤكداً أنه لم يره منذ تركه مريضاً في الخان، وأنه ظل يبحث عنه بعد ذلك حتى يئس من العثور عليه، وأتبع ذلك بأن أخذ يبكي وهو يعانقه ويقبله قائلاً: إن هذا اليوم عندي أحسن من كل عيد. ولم يجد أبو صير بعد ذلك بداً من مبادلة أبي قير العناق والتقبيل، ثم أخذه وأجلسه إلى جانبه، حيث بالغ في إكرامه وروى له ما جرى له من أوله إلى آخره. أدخله بعد ذلك الحمام وأوصى المماليك بخدمته كما يخدمون الملك وزيادة، وبعد ذلك ودعه بأحسن مما استقبله به، ومشى معه حتى خرج من الحمام وركب مع مماليكه راجعاً إلى قصره، بعدما اتفقا على التزاور لتجديد الود وتأكيد المحبة من حين إلى حين.

جاسوس ملك المجوس

لما كانت الليلة التاسعة والعشرون بعد الأربعمئة، قالت شهرزاد للملك شهريار: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا قير ظل يتردد بعد ذلك على أبي صير، حيث يدخل الحمام، ويلقى كل إكرام ويتظاهر خلال ذلك بالإخلاص التام، بينما هو حاقد عليه، ويتمنى زوال كل نعمة لديه، حتى لا يبقى منها شيء في يديه.

ذات يوم، قال أبو قير لأبي صير وهو يزوره في الحمام: أهنئك يا أخي من كل قلبي على ما بلغته في صناعتك من النجاح العظيم، ولكني لا أخفي عليك أن الحمام ما زال ينقصه شيء خطير لا بد من وجوده فيه كي يكون كاملاً من جميع الوجوه. سأله أبو صير: ما هذا الشيء يا أخي؟ أجابه: هو الدواء الذي يزيل الشعر بسهولة، وأنت تعرف هذا الدواء الذي يستعمل في حمامات مصر، ويصنع من الزرنيخ والجير. لذلك أنصحك بعمل هذا الدواء فوراً، ومتى جاء الملك إلى الحمام، فقدمه له ليكون أول من يجربه، ولا شك في أنه سيغتبط بنتيجة استعمال هذا الدواء كل الاغتباط، فتزداد مكانتك عنده، ويجزيك أحسن الجزاء. فقال له أبو صير: شكراً لك يا أخي على هذه النصيحة الثمينة، وسأعمل بها في أقرب وقت ممكن، ويكون الملك أول من يجرِّب هذا الدواء إن شاء الله.

ما كاد أبو قير ينصرف من الحمام بعد ذلك، حتى توجه إلى قصر الملك مسرعاً، وطلب مقابلته في خلوة لأمر خطير خاص، ولما تمت المقابلة قال للملك: إنني ما جئت الآن لمقابلة مولانا الملك إلا لأمر عظيم، وخطر جسيم رأيت من واجبي أن أنبهك إليه، كي أدلل على أني أحفظ الجميل، ولا أتأخر عن التضحية بكل عزيز في سبيل إنقاذ حياتك الغالية.

سأله الملك: ما هذا الخطر الذي يهدد حياتي؟ قال أبو قير: اعلم يا مولاي أن الرجل الذي أنشأ الحمام بمساعدتك له في المدينة، كان زميلاً لي في الأسر عند ملك المجوس، واتفق معه هذا الملك على أن يحضر إلى مدينتك ويحتال لقتلك انتقاماً للهزائم المتلاحقة التي أنزلتها بجيوشه، وبناء على هذا الاتفاق حضر ذلك الرجل إلى هنا وأقنعك بإنشاء الحمام، وجعلك تتردد عليه مطمئناً مسروراً، إلى أن تحين الفرصة لتنفيذ المؤامرة الغادرة. وقد علمت يا مولاي أن موعد التنفيذ لم يبق عليه إلا يوم أو يومان، وأعد أبو صير صاحب الحمام وجاسوس ملك المجوس، سماً قاتلاً على هيئة دهان يعتزم تقديمه لك باعتبار أنه دواء لإزالة الشعر من الجسم بسهولة. كذلك يعتزم تقديمه للأمراء والوزراء والقواد والعلماء، فلا تمضي أيام بعد ذلك حتى يتم له ما أراد، لا قدر الله، ويكون في خلال ذلك هرب ورجع إلى ملك المجوس ليبشره بنجاح حيلته!

الموت غرقاً وحرقاً

لما سمع الملك كلام أبي قير، أخذه العجب والخوف، وقال له: لكني أكرمت هذا الرجل كل الإكرام، فأنشأت له ذلك الحمام، وهو يربح منه أموالاً طائلة، ما أظن أن ملك المجوس يعطيه مثلها، أو يجعل له مكانة في مملكته مثل المكانة التي له عندنا. فكيف يرضى أن يقوم بهذه المؤامرة الدنيئة ويحرم نفسه من النعمة العظيمة التي هو فيها؟ فضلاً عن أنني عاشرته واختبرت أخلاقه فوجدته رجلاً طيب القلب كريم الأخلاق لا يعرف المكر والغدر، بل يحرص على تقوى الله ويحسن معاملة الناس جميعاً!

أجابه أبو قير: أعرف به يا مولاي، والواقع أنه أخبث من إبليس، لكنه يتظاهر بالطيبة والإخلاص كي ينال غرضه، ولا بد له من تنفيذ تلك المؤامرة لأن أولاده وزوجته ما زالوا أسرى عند ملك المجوس، ولا سبيل إلى إنقاذهم إلا بقتلك وأكابر مملكتك إرضاء لذلك الملعون. أما المكاسب التي تأتيه من الحمام هنا فلا حاجة له إليها بعدما جمع ثروة كبيرة لأخذها معه بعد تنفيذ مؤامرته، فضلاً عما وعده به ملك المجوس من مكافأة عظيمة أخرى هي جعله وزيره الأكبر، ثم اقتسام مملكتك معه بعد غزوها والاستيلاء عليها بسهولة متى نجحت المؤامرة!

قال الملك لأبي قير الصباغ: جزاك الله عنا خيراً، وسوف لن ننسى لك أبداً إخلاصك ومروءتك، ولكن يجب أن يكون الأمر سراً بيننا إلى أن أذهب بنفسي إلى الحمام وأقطع الشك باليقين، ومتى قدم لي أبو صير ذلك الدواء الذي وضع فيه السم، فلن أستعمله، بل أقبض على ذلك الجاسوس الخبيث وأقتله شر قتلة، ثم أمثل بجثته ليكون عبرة لكل من تحدثه نفسه بالغدر والخيانة

وقام الملك إثر ذلك، وتوجه إلى الحمام ومعه بعض أعوانه، فلما وصل إلى، سارع أبو صير إلى استقباله بكل إجلال وترحيب كعادته، ثم أخلى له ولمن معه مقاصيرهم الفخمة بالحمام، وتولى بنفسه خدمة الملك وتدليكه وتكبيسه وتبخيره. وكان الملك يراقبه خلسة خلال ذلك فلا يجد في حركاته وتصرفاته وأقواله إلا ما يدل على الإخلاص والوفاء، ولم يزل كذلك حتى كاد ينتهي من الاستحمام، فقال الملك لنفسه: الحمد لله على براءة هذا الرجل الطيب مما نسبه إليه أبو قير الصباغ!

بينما هو يفكر في ما عسى أن يكون الداعي إلى ذلك الاتهام الخطير، إذا بأبي صير يقدم له علبة جميلة الصنع فيها مسحوق غريب الشكل ويقول له: هذا يا مولاي دواء عجيب الأثر، يكفي دهن الجسم به لإزالة كل ما فيه من شعر لا لزوم له، فيصبح الجلد أملس ناعماً كالحرير. لما سمع الملك كلامه، ورأى شكل ذلك المسحوق، وشم له رائحة كريهة، تجهم وجهه وتملكه الغضب الشديد، إذ تحقق صحة المؤامرة التي أخبره بها أبو قير، فقال لأبي صير محاولاً أن يكتم غيظه وغضبه: هل أعطيت أحداً قبلي هذا الدواء؟ أجابه: لم أعط أحداً شيئاً منه بعد، لأني رأيت أن يكون مولاي أول من ينتفع به.

فصاح به الملك فجأة: اخسأ أيها الجاسوس الملعون، أهذا جزاء ما قدمنا لك من معروف وإحسان؟... ثم صاح بأعوانه قائلاً لهم وهو يشير إلى أبي صير: اقبضوا على هذا الخائن، وخذوه إلى الديوان لمحاكمته والاقتصاص منه. ثم سارع الملك إلى ارتداء ملابسه، وغادر الحمام مع أعوانه قاصداً إلى الديوان، وأبو صير معهم مقبوضاً عليه، وقد أذهلته المفاجأة وتملكته الحيرة وانعقد لسانه من الرعب والفزع لغضب الملك عليه من غير سبب يعرفه.

وكان الأهالي في الطريق يتساءلون في دهشة عما دعا إلى غضب الملك فجأة على أبي صير، وبكي كثير منهم شفقة عليه وخوفاً على حياته، لأنه كان محبوباً لدى كل من عرفوه!

ما إن وصل الملك إلى الديوان، حتى أمر بإحضار أبي صير بين يديه، وسأله: هل صنعت هذا الدواء؟ فقال أبو صير: نعم يا مولاي أنا الذي صنعته. فسأله: هل صنعته كي أستعمله أنا وأكابر مملكتي؟ فقال: نعم يا مولاي. وأخيراً سأله الملك: كيف صنعته ولماذا كانت له رائحة كريهة؟ فظن أبو صير أن غضب الملك يرجع إلى تلك الرائحة وأجاب قائلاً: الواقع يا مولاي أنني أخطأت بعدم التفكير في ما يذهب هذه الرائحة، ولكني معذور لأنني صنعته كما يصنع في بلادنا من الزرنيخ والجير، ولو أنني قدرت أنك ستغضب وتنفر من هذه الرائحة، ما قدمته لك إلا بعد تخليصه منها!

لما سمع الملك كلامه، ابتسم ساخراً منه وقال له: الحمد لله الذي جعل تلك الرائحة الكريهة تنم عن غدرك وخيانتك! ثم التفت الملك إلى أعوانه وصاح بهم: أحضروا القبطان فوراً. فلما حضر القبطان قال له الملك وهو يشير إلى أبي صير: كان هذا الخبيث يريد قتلنا بالزرنيخ والجير ويجب أن يكون جزاؤه من جنس عمله، ولهذا آمرك بأن تضعه الآن في كيس كبير متين، وتضع معه فيه قنطارين من الجير الحي، ثم تلقي الكيس بما فيه في ماء النهر، ليموت هذا الخائن غريقا محروقاً في وقت واحد!

فقال القبطان: سمعاً وطاعة. وأخذ أبا صير وهو ما زال مقيداً كي ينفذ فيه الحكم.

وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وإلى اللقاء في حلقة الغد

استقبل «أباصير» بعلقة ساخنة أمام المصبغة ثم ذهب إليه مستعطفاً بعدما أصبح صاحب حمام السلطان 

أقنع الملك أن صاحب الحمام يريد قتله بسم «الزرنيخ والجير» وبمعاونة جاسوس ملك المجوس