صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3842

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

3 معالجات منحرفة ضخّمت أزمة العمالة المنزلية!

تأسيس «الدرة» واتفاقية الفلبين ووهم ضبط السوق

ما أعلنته شركة الدرة، على لسان رئيسها هذا الأسبوع، يشير إلى جانب مهم من الخلل، إذ تبين أن أسعار الاستقدام لدى الشركة لا تقل أكثر من 10 في المئة عن أسعار السوق، ولذلك فقدت الجانب الأهم من تنافسيتها المفترضة.

تحوّلت مشكلة العمالة المنزلية إلى أزمة بعدما باتت على ملف الدبلوماسية الكويتية بدخول وزارة الخارجية على خط حلحلتها ومعالجتها بتوقيع مسودة مذكرة تفاهم مع الحكومة الفلبينية لإعادة استقدام العمالة المنزلية من بلادها.

ومنذ بدء المشكلة كانت المعالجات الحكومية منحرفة عن مقاصد الحل، وأول الانحراف كان في تأسيس شركة متخصصة لاستقدام العمالة المنزلية، هي شركة الدرة، كمنافس للشركات الموجودة في السوق، مع أن الحل المتفق مع أي سلوك طبيعي يستهدف تخفيض الأسعار في سوق معين يستوجب فتح المنافسة في مجال الاستقدام، والمقصود هنا تسهيل إجراءات استخراج تراخيص العمالة بدلاً من تقييدها، مما يستوجب خفض قيمة الضمان المالي البالغ حالياً 100 ألف دينار، يضاف إليها 40 ألفاً لفتح أي فرع جديد؛ لأن هذه المبالغ تقلل حجم المنافسة، وتسهل عمليات الاحتكار بين الفئات القليلة من شركات العمالة المنزلية، فضلاً عن وضع قواعد وضوابط لقرارات وزارة الداخلية الخاصة بوقف إصدار تراخيص هذه الشركات من فترة إلى أخرى.

خطأ «الدرة»

فمنذ البداية، كان تأسيس شركة متخصصة لاستقدام العمالة المنزلية برأسمال 3 ملايين دينار من جهات حكومية وشبه حكومية وأهلية، هي؛ الهيئة العامة للاستثمار، ومؤسسة التأمينات الاجتماعية، وشؤون التأمينات والقصر، وشركة الخطوط الكويتية، والمساهم الأكبر اتحاد الجمعيات التعاونية، خطأ جسيماً كشفته صعوبات عمليات التشغيل، مما قد يفضي إلى تحقيق الشركة ومساهميها خسائر مالية كبيرة، إلى جانب مطالبات سحب رخصتها.

مفاوضات الفلبين

أما الانحراف الثاني، فتمثل في تركيز حلحلة أزمة العمالة المنزلية على إجراء مفاوضات مع الفلبين، رغم أن قرار وقف إرسال العمالة الفلبينية إلى الكويت لم يكن الأول من نوعه، إذ أوقفت إندونيسيا إرسال عمالتها مسبقاً، إلى جانب الهند، في سنوات سابقة، ولم يحظَ الملف حينها بهذا الزخم والاهتمام من الدبلوماسية الكويتية. وعلى أي حال، فجانب مهم من معالجة ملف العمالة المنزلية وإصلاح سوقها يتطلب تسهيل عملية الاستقدام من خلال فتح أسواق جديدة للعمالة من آسيا أو إفريقيا لتنويع الخيارات في الدول التي تعرقل الاستقدام للكويت ومنطقة الخليج، ومن ثم تكون الأسعار في النهاية معقولة لطالبي الخدمة.

ولعل ما أعلنته شركة الدرة، على لسان رئيسها هذا الأسبوع، يشير إلى جانب مهم من الخلل، إذ تبين أن أسعار الاستقدام لدى الشركة لا تقل بأكثر من 10 في المئة عن أسعار السوق، ومن ثم فقدت الجانب الأهم من تنافسيتها المفترضة عند تأسيسها بقانون صادر من مجلس الأمة لم يراعِ كثيراً متطلبات السوق، وركز على الاستغلال الانتخابي لاحتياجات الأسر الكويتية.

تصريحات سياسية

الانحراف الثالث يتمثل في عقلية منتشرة وقديمة لدى الحكومة والبرلمان على حد سواء، وهي ما يعرف بـ"ضبط ومراقبة الأسعار"، وهو المصطلح الدارج في كثير من التصريحات السياسية غير الفنية عند حدوث أي حالة غلاء غير مبرر في سعر أي سلعة أو خدمة كالعمالة المنزلية أو المنتجات الغذائية أو مواد البناء وغيرها، فلا وجود في الحقيقية ولا قدرة على مراقبة السوق، بل المطلوب هو حماية المنافسة ومحاربة احتكار السلع، وتحقيق قدر عالٍ من تكافؤ الفرص بين مقدمي السلعة ومستهلكيها، ومن ثم ينتقل دور الدولة من منافس إلى صانع سوق يتولى مراقبة نزاهة المنافسة، ويحارب العمليات الضارة بها، ويرفع مستوى الخيارات لدى العملاء والمستخدمين، ويشجع المستثمرين في القطاع على الاستمرار والتنوع والابتكار.

تفعيل المنافسة

وما سبق لا يحتاج إلى "معجزة"، بل لا يتطلب أكثر من تفعيل القانون رقم 10 لسنة 2007 بشأن حماية المنافسة التي تجرم الممارسات الضارة في أي سوق، وخصوصاً "الاتفاقات والعقود والممارسات المنسقة بين المنشآت، والتي تؤثر في أسعار المنتجات أو الخدمات محل التعامل بأي صورة تتعارض مع آلية السوق السليمة"، وهو ما يحدث في سوق العمالة المنزلية، إذ يسيطر عدد محدود من المكاتب على سوق الاستقدام، تتفق على ممارسات تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير طبيعي.

اختلالات واسعة

الحديث عن العمالة المنزلية معقد جداً، ومتشابك مع التجارة والتركيبة السكانية وضرورات حقوق الإنسان، فضلاً عن المزايدات السياسية، ففي الكويت حالياً نحو 690 ألف شخص يندرجون تحت مسمى "الخدم ومن في حكمهم"، يمثلون نحو 15 في المئة من سكان الكويت و22 في المئة من الوافدين، كما يمثلون مقارنة بالشريحة الأكثر تعاملاً معهم، أي المواطنين، 50.5 في المئة، وهذه نسب تشير إلى اختلالات واسعة في ملف الاعتماد على العمالة المنزلية بكل ما تحمله من أبعاد اجتماعية وثقافية واستهلاكية، ومن ثم فإن جانباً مهماً من المشكلة يتعلق بطالبي الخدمة مثلما يتعلق أيضاً بجشع شركات العمالة المنزلية، وكذلك من استسهل الحل السياسي- الشعبوي في المعالجة، على حساب منطق السوق.

لا شك أن ملف العمالة المنزلية يعد، مهما كبر، من أهم الملفات الصغيرة في السوق الكويتي، والمعالجات المنحرفة فيه تبين صعوبة معالجات أخرى أكثر تعقيداً وتفصيلاً كإصلاح الاقتصاد، أو إنشاء المشاريع والمدن الضخمة، مما يوحي بأن التعثر في الملفات الصغيرة لا يعطي تفاؤلاً بمعالجة الأكبر منها.