صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3810

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كيف تقول وداعاً

  • 18-11-2017

أيوب، والمُهرة قَمَرَة

في الصباح الباكر جلست أم أيوب مع حكمت في السطح على كرسيين صغيرين من القش تراقبان مجموعات السُّنونو وهي تطير فرحةً، وتمر فوق رأسيهما حتى تكاد أن تصطدم بهما، وهي تصدرُ زقزقةً أشبه بالصراخ. تنهدت حكمت وهي تشم رائحة زهر شجرة اللوز الصاعدة من أرض الديار: «أكملي يا أم أيوب قصتك التي وعدتني بها».

قالت أم أيوب: «كان بيتنا في باب الجابية يحوي اثنتي عشرة غرفة، وكان كل إخوة محي الدين الشباب قد تزوجوا وسكنوا في البيت نفسه. كل أخٍ في غرفةً.

كان محي الدين هو كبيرهم، وكان يتوجه في صباح كل يوم راكباً على فرسه من باب الجابية إلى مكان عمله في الطاحون ماراً بسوق باب الجابية، ومنتبهاً أن يبتدئ بالسلام على الجالس أو المار من معارفه، ويمر في طريقه أيضاً على بستان النعناع ويشم رائحته العطرة، ثم على مرج الحشيش الواقع على أطراف بردى والذي جعله سكان دمشق وقفاً للحيوانات المسنَّة والمريضة».

{وقفٌ للحيوانات المريضة؟» سألت حكمت.

أجابت أم أيوب: «نعم. لقد جعل سكان دمشق لكل شيء وقفاً. لطلاب العلم المحتاجين وقف، وللغريب وقف، وللخدم وقف حتى إذا أخذ الخادم أو الخادمة نعارة (فخَّارة) اللبن، وانكسرت معه على الطريق، يذهب ويأخذ واحدة جديدة حتى لا يضربه صاحب عمله. أما مرج الحشيش، فقد جعله الناس وقفاً للحيوانات المريضة والمسنَّة التي هجرها أصحابها وتنكروا لها بعد أن خدمتهم في شبابها، فتبقى هذه الحيوانات بهذا المرج ترعى وتأكل من هبات الناس، إلى أن تموت بكرامة دون أن تجوع أو تُضرب أو تُهان. كم من مرة حكى لي محي الدين وهو يضحك أنه التقى ذاك العجوز الخَرِف الذي كان يحمل كيساً من الشعير ليأخذه إلى حماره المقيم في المرج، وعندما كان محي الدين يسأله إلى أين تذهب يا عم؟ كان يجيب: «لعند أخي الحمار». وتلك المرأة التي تحمل سطلاً مليئاً (بسقط اللحم) لتطعم بها بعضاً من القطط العمياء. والمرأة التي رآها تدهن بالقطران حماراً أجرباً، زكاةً عن صحة ولدها الذي تعافى من مرضه. كان هذا ما يراه محي الدين كل يوم وهو راكب على فرسه الجميلة مزهواً بها.

وفي يوم من أوائل أيام الربيع أحسّ محي الدين بتغير في سلوك فرسه، وكان يعلم أن صديقه يمتلك حصاناً فحلاً جميل الطلعة، ذا سمعة طيبة، وله سِجِلٌّ مُشَرِّف. فاستأذن صديقه أن تحمل فرسه نسب فحله، فوافق صديقه ووافق حصانه. وبعد أحد عشر شهراً وأربعة أيام وفي منتصف ليلة قمراء، وكان محي الدين قد سهر مع فرسه منتظراً، ولدت الفرس وجاءت بِمُهرةٍ تفوق أمها جمالاً. ولأن ضوء القمر أضاء البقعة البيضاء بين عيني المُهرة، فقد سمَّاها محي الدين على الفور (قَمَرَة). أحب محي الدين قمرة أكثر من أولاده، وكان يدللها ويطعمها السكاكر بيديه، ويطلقها لتلعب وتركض في الهواء الطلق، وخصص لها سائساً ليهتمَّ بها. عندما صار عُمرُ قمرة ستة أشهر، اضطر محي الدين للسفر لمدة ثلاثة أيام، فوضع لها قبل السفر كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب، وأوصى السائس ألا يدع أحداً يركبها أو يأخذها، وسافر.

في اليوم الثاني من سفره، وكان عُمْرُ ابني أيوب خمس عشرة سنة، ذهب أيوب إلى (البايكة) في الطاحون. وإلى هذا اليوم يا حكمت لا نعرف كيف استطاع أيوب أن يأخذ المهرة قمرة. مشى بها في طريق باب الجابية ليبدو مثل أبيه، ولكن ولقلة خبرته بالمهرة وقع بها وانكسرت رجلها... آه يا حكمت لو أن السماء انطبقت على الأرض لكان وقع الخبر علينا أرحم، وهكذا بقي كل أهل البيت خائفين. لما علمنا أن محي الدين عاد من سفره وأن أول شيء قام به هو ذهابه إلى الطاحون ليرى المهرة قمرة، حبس الجميع أنفاسهم منتظرين.

دخل محي الدين وصرخ: «أيوب!» ثم صرخ بصوت أعلى اهتز له البيت. اقترب أيوب، وبحركة واحدة أمسك محي الدين بيد أيوب وجره إلى المربّع جانب الليوان. ركضتُ أنا وأمسكتُ بيد أيوب الثانية، فدفعني محي الدين وقال من بين أسنانه «إياك أن تتدخلي». دخل محي الدين المربّع وأغلق الباب وأقفله، وسمعنا أزيز الهواء وأول ضرب بالسوط، وصرخ أيوب «آخ». واندفعتُ أنا ومن معي نضرب على الباب ونحن نصرخ «افتح! افتح!»، لكن محي الدين استمر بجلد أيوب الذي كان يصرخ من الألم. ركضتُ باتجاه النافذة التي تطل على أرض الديار وأخذتُ أضربُ على النافذة وأنا أرى أيوب مقرفصاً على الأرض يحمي رأسه بيديه ومحي الدين فوقه يضربه. صرختُ بأعلى صوتي بأني سأكسر النافذة إن لم يفتح، فنظر إليّ محي الدين والشرر يتطاير من عينيه، وصرخ: «والله ستكونين طالقاً بالثلاثة إذا دخلتِ». لما سمعتُ ابني أيوب يستنجدُ بـي ويصرخ «ياموْ»، أحسستُ كأن النار اشتعلت بداخلي. أنا عائشة التي عشتُ طوع بنان زوجي، فجأة خرجتْ من داخلي كل العائشاتْ، كل الحَيَّاتْ، كل الجنِّيات، خرجت كل اللاتي كنّ يعشعشن في داخلي، ومددن أيديهن إلى النافذة مع يدي، وبضربةٍ واحدةٍ كسرتُ الزجاجَ ودخلتُ وانقضضتُ على محي الدين ودفعته دفعةً كاد أن يهوي بها، وحملتُ ابني أيوب وكأنني أحمل ريشةً، وخرجتُ مسرعةً من الباب.

لحق بـي أهل البيت، وضاع محي الدين بين أصواتهم. فمنهم من يقول له اخزِ الشيطان، ومنهم من يقول كفى قد نال جزاءه، التوبة التوبة!! ثم لم أعد أسمع شيئاً. كانوا قد أخرجوا محي الدين وأجلسوه في الليوان، وكأس الليمون أسرع باتجاهه. أما أنا فقد لحقت بـي نساء البيت وأدخلنني إلى المربع. كنتُ أرى محي الدين من النافذة جالساً كالحيوان الجريح. فجأة بدأ الجميع يتكلم همساً، ثم ساد صمتٌ، صمتٌ مطبقٌ، لو أنك يا حكمت رميت الإبرة لسمعتِ صوتها. ثم بدأت ثلاثُ كلمات كثلاث نحلاتٍ بغيضاتٍ تَئِزُّ فوق رؤوسنا «طالق، طالق، طالق». وكنتُ كلما رفعت كفَّي لأغلق أذنيّ سمعت دوياً أكبر وأكبر يخرج من أصابعي العشر. لم يعد أحد يتفوه بكلمة، ومَن يجرؤ على ذلك؟ أعرف أن ذنبـي كبير. كيف فعلت هذا؟

كان أصدقاء محي الدين يصفونه بأسعد رجلٍ، فهو يمتلك داراً وسيعة، وامرأةً مطيعة، وفرساً سريعة. فجاء ابنه أيوب وكسر رِجْلَ فرسه، وجاءت امرأته وكسرت كلمته. كان قد سبق السيف العذل، ووقعت الفأس بالرأس، وأصبح الكل منتظراً تنفيذ حكم الطلاق.

صعدتُ إلى غرفتي، فوقعتْ عيني على الذي كان سريري، سحبتُ ثوب نومي المُلقى عليه، ووضعته مع بعض ملابسي في بُقجَتي وخرجت مسرعةً من هذا المخدع كمن ارتكب الفاحشة. عند باب الزقاق لحِقَتْ بـي سلفاتي، بعضهن صامتات، وبعضهن تعضُّ على سبابتها. سرتُ في الطريق والنحلاتُ البغيضات الثلاث تطنّ حول رأسي، وأنا أمسك بيد أيوب حبيبـي. لقد كان ولداً مدللاً، أخطأ وضُرِب.

لقد كان النبـي أيوب غنياً وموسِراً، ثم افتَقَرَ وأُبعِدَ من قبل قومه. ومع هذا اتخذه اللَّهُ نبياً وصِدِّيقاً. فكيف لا أتخذُ أنا أيضاً ابني أيوب حبيباً؟ وقد رَآه قلبـي قبل أن تراه عيناي. ألا يجب أن أفعل هذا؟ ألا يجب؟. التفتتْ أم أيوب إلى حكمت بسؤالها. كان خدا حكمت يلتمعان بالدموع مع أشعة الشمس الأولى. تابعت أم أيوب وهي تخفي دموعها هي الأخرى: «سرتُ مع طنينٍ في رأسي، وصرخات أولادي الصغار خالد ونظيرة تنادي عليّ: «لا تذهبـي يامو، الله يخليكي ارجعي يامو». لما وصلت باب بيت أهلي، كانت النحلات الثلاث بانتظاري على الباب لاستقبالي، فقد كان خبر طلاقي قد طار ووصل قبلي».