التشكيلي شاكر الإدريسي: طقوس الصحراء في «حكايات شعبية»

• يرى أن العلاقة بين الفنان والمتلقي في مصر مضطربة

نشر في 22-10-2017
آخر تحديث 22-10-2017 | 00:03
في معرضه الأخير «حكايات شعبية» استند الفنان التشكيلي الدكتور شاكر الإدريسي إلى البحث والتجريب وتأويل الرمز، ليقدم طرحاً بصرياً نابعاً من جذوره البيئية في منطقة الوادي الجديد (الصحراء الغربية) في مصر بعاداتها وتقاليدها وموروثها الشعبي العميق، وحكاياتها التي تؤدي دوراً مهماً في تكوين النشء، وتشكيل وعيه، من ثم يترجمها صوراً إبداعية مختلفة.
قدمت أخيراً معرضاً في غاليري «بيكاسو» بعنوان «حكايات شعبية» أدّى فيه الرمز دوراً كبيراً. أخبرنا عن تأويل الرموز لديك.

يأتي تأويل الرمز لديَّ من خلال التعبير التلقائي، المؤسس على البحث وتجارب حياتية وإنسانية. بعد ذلك أدخل مرحلة التعبير بتفسيرات وتأويلات بصرية تتجاوز الشكل المقروء، ومفهوم الرمز إلى سرد بصري.

الجذور

يبدو شغفك بالحكاية واضحاً. ما السبب، وماذا تمثّل لك الحكاية؟

تمتدّ جذور الحكاية إلى الوادي الجديد (الداخلة) حيث الواحات التي تتميز جغرافياً بالجبال والآبار الجوفية والرمال والنخل المثمر والعمارة التلقائية، بالإضافة إلى عادات وموروثات عميقة من الحكم والقصص، وحفظ أشعار المديح للإمام البوصيري، وتعليم قواعد الخط، فضلاً عن ارتباطي بعائلتي، وقوة شخصية الأم، والرجال المعمرين، وعادات تختلف عن القاهريين في الأعراس، والجنائز، وأساليب الدفن والحزن، وارتداء الأبيض على المتوفي، وحكايات الجن والقوى الخارقة، وخصوبة الأرض والزراعة، والشمس وحرارتها... نشأت على الحكايات من سير أجدادي، ما جعلني مسكوناً بخيالات وتفسيرات وتأويلات عدة تحتاج إلى ترجمتها بصرياً.

هل تعطي أحد مكونات اللوحة أولوية، سواء الموضوع، أو الشكل، أو المادة، أو اللون، أم أن ثمة طريقة معينة تعتمدها للتعامل مع هذه المكونات؟

ترجع الأولوية إلى شحن وشحذ الفعل البصري التعبيري بأشكاله المختلفة من خلال مفردات البحث والتجريب، والممارسة المستمرة حتى الوصول إلى مرحلة الترجمة البصرية، ذلك عبر الخبرة والتوتر الحميد. أتعامل مع المشروع الفني البصري، ويستحوذ عليَّ، من خلال مقدمات ذهنية، ورسوم تحضيرية، وتخطيطية، واسكتشات، وملاحظات كتابية. لذلك أحمل معي دائماً حافظتي الخاصة حيث أضع أوراق المقدمات المؤسسة على البحث والتجريب والمعايشة، وصولاً إلى صدق التعبير، ونقل الفكرة سواء كانت جمالية أو مفاهيمية.

وعي إبداعي

كونك أكاديمياً، هل أثر ذلك في رؤيتك الفنية، بمعنى أن الأكاديمي يتقيد بقواعد ونظريات؟

الدراسة الأكاديمية، والشغف بمعرفة الفنون البصرية المعاصرة، ودراستي في كلية التربية الفنية مع نخبة من الفنانين المعلمين، كلها أمور دعمت جانب البحث لدي قبل أي مشروع بصري (معرض، أو ورش عمل، أو حتى وظيفتي الإدارية). لكن الدراسة الأكاديمية من دون البحث أو الوعي الإبداعي، تصبح معوقاً إزاء الفنان، فيعاني فجوة تاريخية ومفاهيمية وتقنية وجموداً وتقليداً.

هل تنتمي إلى اتجاه تعبيري أو مدرسة معينة؟

أصبح التصنيف من وجهة نظري غير مبرر في الفنون البصرية المعاصرة، ولكن اصطلح على تصنيف الأعمال من خلال انتمائها الشكلي أو البصري. في هذا الإطار يقترب عملي إلى اتجاه التعبيريين لما يتميز به من حرية مطلقة.

تتولى إدارة الورش المحلية والدولية التابعة لقطاع الفنون التشكيلية. كيف ترصد تفاعل الفنانين معها، ودورها في خدمة المجتمع؟

نلت رسالة الدكتوراه في فلسفة الورش وإدارة الفنون، وأنجزت مشروعات عدة في مصر وخارجها، وحاولت جاهداً وضع لائحة تنظيمية واستراتيجية لإعداد بيئة تفاعلية مؤسسية كمشروع واتجاه تعليمي مواز لتعليم وممارسة الفنون، يهتم بإدارة الفنون والصناعات الإبداعية التي تتجاوز مفهوم الورش كممارسة للأنشطة البصرية والفكرية إلى وضع رهان تنويري واجتماعي ثقافي، يسهم في التنمية، ويكون نموذجاً يحُتذى به في الوطن العربي، ويشارك في التنافسية العالمية.

ثمة تفاعل إيجابي بين المشاركين في هذه الورش، وأهم المشاريع التي أنجزناها في هذا الإطار «مشروع فنان – الفنان المشروع»، وهو خاص بخريجي الكليات الفنية من العاملين في القطاع. تتمثّل أهدافه في إعداد كوادر للعمل بإدارة الفنون، وتجاوز مفهوم الموظف التلقيني التقليدي إلى نموذج الفنان الممارس المثقف والمحفز والمنشط الثقافي، ومدير الفنون إلى منظم العروض والفعاليات الاحترافي، والفنان النجم إلى صاحب الدور الفاعل المؤثر ليشكِّل قدوة للأطفال أسوة بنجوم كرة القدم، والتمثيل. ولكن تتحقق هذه المنافع حينما يتوافر الدعم اللوجستي الكامل للمشروع، وتؤمن المؤسسة بدور القوى الناعمة وأهميتها في التنمية. عموماً، ثمة قبول اجتماعي وحماسة للمشاركة في المشروعات المطروحة، لكن غياب دور المؤسسة يحد من اتساع الدائرة.

بين المبدع والمتلقي

من أين ينطلق أو ينفجر هاجس الإبداع لديك؟

يأتي هاجس الإبداع لديَّ من إجراءات ومقدمات من بينها البحث والتجريب، وحياتي الشخصية، وعقيدتي، وإيماني بأن الفن في المقام الأول سلوكيات متنوعة، والإنتاج البصري أحدها.

يستحوذ أي فن حقيقي على اهتمام الجمهور، وعلاقة الاتصال بين المبدع والمتلقي تحكمها شروط وضروريات، فكيف تنظر إلى علاقة المتلقي بأعمالك؟

تذوّق الفن أمر نسبي، وإشكالية العلاقة بين الفنان والمتلقي مستمرة، وهي في مصر مضطربة لأسباب عدة من بينها عدم وجود سياسات ثقافية، فتوجهات الدولة غير واضحة من نواحي: دور الفن والفنون والفنان في الدستور ورؤية مصر 2030، ومناهج أكاديميات تعليم الفنون الحكومية، وحركة التعليم والممارسة الموازية، والسلوكيات المجتمعية، وغياب مفهوم الفنان البصري النجم، والتوجه المجتمعي إلى دور الفنان البصري... فضلاً عن عدم وجود خطة ذات جدوى في هذا المجال. لذا ستظل إشكالية الفنان والمتلقي في الوطن العربي قائمة تخضع لاجتهاد شخصي، ولا تحكمها قوانين أو معايير أو مؤشرات أو مقدمات لنواتج منطقية تؤكد ضرورة الفن والفنان في بناء الوطن.

ماذا يمثِّل لك الزمن كفنان؟

ينظر الفنان إلى الزمن، سواء بمعناه البيولوجي أو القيمي الإنتاجي، نظرة المحارب إزاء حتمية النهاية، إذ يُصاب بإحساس اللاجدوى... والاكتئاب... والانزواء. لذلك يحتاج إلى معادل قيمي قد يكون الدين والأخلاق. البحث عن أدوار أو إنجازات يؤدي إلى الإيمان بأن الأثر الباقي لنا هو استمرارنا في الذاكرة التاريخية كقيمة، لذلك أهتم بهذه العلاقة مع الزمن بالسلام النفسي والوعي والإبداع، وتحقيق نموذج الفنان المعلم من خلال مشروعات.

آفاق الوادي

تتسم أعمال الفنان شاكر الإدريسي بالتنوع والاختلاف، واستخدام الرموز، رغم وجود الواقعية في لوحاته كافة. كذلك ترتبط بمسقط رأسه الوادي الجديد، وهو يفسر ذلك بالحكايات والقصص الكثيرة في هذا المكان، التي تتميز بوسع الأفق، لذلك ينقل ثقافتها إنما بشكل جديد، ويضيف الدريسي: «اتجهت إلى تنظيم الورش الفنية، لتعليم الفنانين المبتدئين من مختلف الأعمار تحت عنوان «مشروع فنان».

وعن جديده في الفترة المقبلة، قال: «أجهِّز لمعارض فردية ومشاركات دولية خارج مصر، وتكوين كيان خاص مواز لتعليم وممارسة الفنون البصرية مع مجموعة من الفنانين العرب، كذلك استكمال مشروع «استوديو الورشة» الذي كنت بدأته في الدوحة، ولكن الظروف السياسية حالت دون إتمامه، ذلك بالتعاون مع إحدى المؤسسات التابعة لمنظمة «اليونسكو».

نشأت على الحكاية وسير الأجداد

الفن في المقام الأول سلوكيات متنوعة
back to top