صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3627

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

في ذكرى وفاته السادسة عشرة رسالة إلى معلِّمي خالد سعود الزيد

سيدي ومعلمي وشيخي خالد سعود الزيد رحمة الله عليك ورضوانه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما عهدتك بخيلاً، فنوالك يغرقني ويغدقني، ويجعلني أزهو وأعلو به شأوا، فعلام جفوتني لأيام وليالٍ، ولم تتكرم عليّ بما أكتبه عنك كعادتك في كل عام؟ هل أردت أن تقصيني عن حرم الكتابة عنك؟ أم أردت أن تكتفي بما كتبته عنك سلفًا، وأتوقف عن رسم صورتك بالكلمات، تلك الصورة الحية الراسخة في وجداني وعقلي وفؤادي ومنها ارتسمت قسمات تكويني، وتشكل وعيي بذاتي؟

أيها الخالد في النفس خلود الحقيقة وصدق اليقين، امنحني ما أكتبه عنك، منحة تمُنَّ عليَّ بها أنسًا وحبًا وكرمًا، نتبادله كما كنا نتبادله حين كنت وجودًا كثيفًا بيننا، وصرت روحًا لطيفًا وطليقًا حولنا.

أجالسك الأيام والليالي لا أمل حديثًا كنت تحدثني إياه، تسر بعضًا وتبيحني بعضًا من أسرارك ومكنوناتك الروحية والحياتية، ولا أنسى يوم قلت لنا أنا وعلي: «إن كلَّ الذين يتصدون للكتابة عني وعن تجربتي الشعرية والأدبية لا يعنون لي شيئًا. إنما، وأشرت بيديك إليَّ وإلى أخي الدكتور علي عاشور، أنتما من أريد أن يكتبا عني. فأنتما مصباح روحي أنتما».

وحين اختارت «رابطة الأدباء» عليًا ليخط كتابًا عنك ضمن سلسلة كتب كانت تنوي إصدارها في العام 2001م بمناسبة اختيار الكويت عاصمة للثقافة، طلبني علي أن أشاركه وضع الكتاب بعدما اعتذرت عن عدم الكتابة عن علي السبتي بناء على طلبه؛ إذ رأى التفرغ إلى إتمام رسالتي لنيل درجة الدكتوراه أوْلى من ذلك، وكان ذلك نبلاً منه وإيثاراً ما زلت أحمله إلى السبتي شفاه الله وعافاه.

فيممتُ وجهي شطر أرشيفي عنك، إذ كان لدي أرشيف لا بأس به من المخطوطات والمطبوعات الخاصة بك كنت تزودني بها من حين إلى حين، وكأنك كنت تعلم أن لحظة الكتابة عنك آتية لا ريب فيها.

فشرعتُ في الكتابة بعدما وضعتُ وأخي علي عاشور التصور الأوْلي للكتاب وموضوعاته، وبتُّ أواصل الليل بالنهار في كتابته وتدبيجه وتصويبه، وما كنت أعلم أنني أكتب السطور الأخيرة في حياتك على الأرض بيننا. فما انتهيتُ من الكتاب بمسودته حتى أتيتك أحمله لتطالعه وتباركه، فأخذت القلم من يدي ووقعت على النسخة بالموافقة طباعة، والمباركة نشرًا، ثم غادرتنا بعدها بساعات قلائل.

فهل كنتُ أكتب النهاية؟ أم كنتُ أخط البداية لحياة جديدة في عالم أرحب وأجمل وأنور من عالمنا هذا؟!

اقترنت نهاية تأليف الكتاب بنهاية حياتك الأرضية، ليتني ما كتبتُ هذا الكتاب حتى يطيل الله أمدك بيننا، شق عليَّ فراقك، إذ خارت قواي وجثوتُ على ركبتيَّ عندما رأيتُكَ مسجى أمامي ويطلب مني نجلك الأكبر (سعود) أن أشارك تجهيزك لمثواك الأخير.

لم أكن لأصدق بأن هذا المسجى أمامي هو ذلك الرجل الذي كنتُ معه منذ بضع ساعات، نقرأ ونتحدث ونتناول الطعام ونودع بعضينا على نية اللقاء في الغد.

ليس في قولي هذا اعتراض، لا سمح الله، وإنما ذلك ما جرى، وما كان وما حدثتني نفسي به حينها، وربما حان الأوان لأسطره حتى يظل مقيدًا. الحق يا سيدي خالد بعد حين أدركت أن غيابك علمني كيف أكون أكثر شعورًا بك وإحساسًا وأخذًا، لقد أينع ما زرعت فيَّ وأثمر، وصرت أتمثلك حديثًا وفكرًا وقولاً، وإن كنت لا أجاريك لغة وسلوكًا وعملاً، ولكنني في كل هذه متشبه يرجو الفلاح ويرجو الصلاح: «فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ».

من ابنك ومريدك: عباس فجر الثلاثاء 19 سبتمبر 2017م

مدينة نصر- القاهرة

الإجابة

أ. د. علي عاشور الجعفر

د. عباس يوسف الحداد

اتصل بي أخي الدكتور علي عاشور عقب عودتي من القاهرة وسألني عمَّا أعددت هذا العام للذكرى السنوية لرحيل معلمنا وشيخنا خالد سعود الزيد (1937-2001)، فقلت له بأنني لم أزل أفكر في الموضوع الذي أتناوله، وفي المقال الذي أسطره، فذكر لي أن وضاحًا نجل خالد سعود الزيد قد التقى به في ديوان سعود الزيد، وذكر له بأنه والسيدة أم سعود، حفظها الله، حرم أديبنا ومعلمنا كانا يجمعان الكتب المتناثرة في المنزل، والخاصة بأبي سعود وذلك لإيداعها في المكتبة التي أعدها وضاح أخيرًا، لتشمل كل كتب وتراث والده، فوقع بصرهما على الإهداء الذي كتبناه للسيدة أم سعود على صدر كتابينا: «خالد سعود الزيد سيرة ومنهجًا»، والتي وصفناها بالأم الرؤوم، فما كان منها إلا أن ذرفت دموعًا غالية متذكرة عهدًا لم يغب، ورجلاً لم يمت، تحيا به حتى الآن. وقالت لوضاح: خذ جميع الكتب ودع لي هذا الكتاب فإنني ضنينةٌ به.

فقال علي: ما رأيك لو كتبنا مقالاً مشتركًا خصصنا به هذه السيدة العظيمة، والأم الكريمة في أخلاقها ومعاملتها معنا طوال علاقتنا بمعلمنا خالد سعود الزيد رحمة الله عليه.

وقد وافقه شن طبقه، إذ خطر وأنا في القاهرة أن أكتب عن «المخبأة» آخر قصيدة كتبها خالد وكانت مهداة إلى زوجه وأم عياله السيدة أم سعود.

وعندما قرأتُ لعلي ما كتبته من رسالة لمعلمي خالد سعود الزيد، قال: إذا، كتابتنا عن المخبأة ستكون هي الإجابة على رسالتك. وقد كان وكتبنا هذه الإجابة.

«المخبأة»

إلى الأم الرؤوم السيدة أم سعود...

كان الوقت مساء حين دلفتُ إلى الفناء الخلفي للمنزل لأجدها وقد بدى عليها الجهد والتعب، وغطتها الأتربة، ولم أجد أيًّا من الكتب والأوراق والملفات التي كانت ملقاة في العراء، إذ طلبتُ من أبي سعود أخذها بقصد فرزها وتصنيفها لأن فيها وثائق مهمة ورسائل جمة، ولكن أبا سعود أعرض عنها وانشغل بأشياء أخرى.

- مساك الله بالخير أم سعود.

- هلا وكل الهلا. يا هلا ومرحبا فيك.

- طال عمرك، وين الأوراق والكتب والملفات اللي قلت حق أبوسعود آخذها أفرزها وأصنفها له.

- إيه، لما عرفت من خالد أمس إنك راح تجيء تاخذ الأوراق والملفات، جاتني الهمة وشلتهم كلهم حطيتهم في السرداب. عباس. أيَّ ورقة حق «خالد» ما راح تطلع من البيت طول ما راسي يشم الهوى. أنا ضنينة على خالد وأوراقه.

إذا، تلك كانت بداية معرفتي بها، وبمدى علاقتها بخالد ابن عمها وزوجها ووالد أبنائها وحبيبها وكل شيء في حياتها.

لقد كانت تتلذذ بنطق اسمه، وتتغزل في وصف رسمه. إذ كانت تعشقه قبل أن يكون لها زوجًا وخليلاً، فقد كانت تسجل أحاديثه الإذاعية، وتجمع قصاصاته الصحفية، وتدون أخباره الأدبية قبل زواجها به، كانت تراه دنياها بما تحمل من جمال، وأحسب أن خالدًا كان يراها كذلك، فما أشد إعجابه بها وببأسها وبدورها في حياته، لقد هيأت له الحياة الهادئة الهانئة، وأفرغته من مشاغل الحياة ليتفرغ للكتابة والتأليف.

ارتبطت في بداية الستينيات من القرن المنصرم بابن عمها خالد، ومنذ ذلك اليوم باتت على هواه كما صار لها هوى تستطيبه، ورجلاً تستظل بظله، إذ كانت ظله الذي يسير معه، تصاحبه في زياراته الأسرية؛ وترافقه في علاقاته بأصدقائه من الأدباء وأسرهم، كانت له الرفيق في السفر، إذ كان خالد يعشق السفر في السيارة. والسفر في السيارة مشقة على الرجل فكيف المرأة؟ كانت تستطيب عذاب السفر ومشقته وتستعذبه طالما خالد بجوارها ينشد لها شعرًا ويغنيه، يروي لها قصة ويتمثلها، وهي تحكي له طول الطريق.

يروي لي أبو سعود رحمه الله: كنت أقود السيارة طوال النهار في السفر، ولا أحب السير ليلاً، إذ كنت أرسي حين أمسي، اختار «هوتيل» أو «موتيل» فنبيت فيه ليلتنا، وعند الصباح الباكر أستأنف المسير أنا وأم سعود والأبناء. كانت أم سعود تحمل معها كانوناً تضع عليه الشاي كلما رأينا جدولاً يشق الأرض جريانا، وكانت تصنع لنا الغداء الذي عادة ما يكون «أموش»، إذ بعد الانتهاء من طبخه نقمطه ونحمله معنا لبعض الأميال، وإذا وجدنا مكانًا طابت له نفسينا نزلنا به وتناولنا غداءنا بعد نصب السفر، ثم عدنا نستأنف الرحلة.

لقد كانت أم سعود في كل ذلك صبورة تبدي لي السعادة والانبساط، ولا تظهر لي أي ضرب من التذمر والتأفف وسوء المنقلب. تسعد لسعادتي، وتشقى لشقائي، تتحمل العناء من أجل البقاء بجانبي. فهي «بدرية» وأنا كنت أراها «البدر لي» فهي التي جعلت ليالي بدرًا، وأيامي سعدًا، بما كانت تقوم به من أعمال من دون كلل أو ملل أو مِنَّة.

ولقد رأينا ما رأينا من علاقتهما، إذ كنا نعيش بينهما منذ بداية علاقتنا بأبي سعود، فقد كان بيتهما بيتنا الذي نجتمع فيه صباح مساء بعدما حصل أبو سعود على التقاعد وبات غير مرتبط بعمل حكومي. تأتي أم سعود، أحيانًا، تجلس معنا صباحًا ونحن في فناء البيت نحتسي الشاي مع أبي سعود، تتحدث إليه، وتخبره بما تريد أن تخبره، ثم تسألنا عن أهلنا وأحوالهم وصحتهم، ثم تولي وجهها شطر المنزل لتقضي ما تقضي من أمور.

عندما جاء الغزو العراقي في أغسطس 1990م، كان كلُّ هَمِّهَا توفير السجائر والشاي لخالد، لأنها تعلم أن أبا سعود لا يستطيع تحمل الحياة من دون تدخين واحتساء الشاي، فوفرت له كمية ظلت لديه حتى بعد انقضاء الغزو بمدة.

في الغزو كانت خائفة وجلة على «خالد»، فقد بات العسكر يبحثون عن الأدباء والشعراء يريدون استخدامهم في تأييد وجودهم في الكويت وإضفاء الشرعية عليه، فآثرت إخفاءه وعدم خروجه بالسيارة، وكانت هي من يتولى الخروج وتوفير متطلبات الحياة من الجمعية والأسواق وما إلى ذلك.

تدهشك في محبتها لخالد، ومحبة من يحبه خالد، إنها تدين بدين خالد في حياتها، وتسير على خطاه محاذية حينًا، ومطابقة حينًا آخر. وكم رأيت خالدًا وهو يتلطف بالقول معها فهي بدر بدور حياته، وصاحبته التي يدنيها، ولا يتخلى عنها ويقصيها. كانت له عينًا ولسانًا وقدمين، وكان لها قلبًا وروحًا ومقلتين.

اعتدنا في كل عيد من الأعياد تناول الإفطار عند معلمنا وشيخنا خالد سعود الزيد، رحمة الله عليه، فقد كان ينتظرنا بعد صلاة العيد، وكانت أم سعود تعد لنا الفطور الذي اعتدناه لسنوات الشاي والحليب و{قرص العقيلي» التي كانت لا تجارى ولا تبارى في إعداده، إنها كانت حريصة على حضورنا واجتماعنا مع أبي سعود، إذ تعلم أننا ندخل عليه السرور في حضورنا إليه، كما أنه كان يغمرنا بمحبته ورعايته وعنايته بنا أبناء ولا أقول كأبنائه .

الفترة من العام (1985-1990م)، هذه الفترة التي صارت لقاءاتنا في أبي سعود تندر في الرابطة وتزداد في مكتبته التي أنشأها بعد تقاعده من العمل في العام 1986 لتكون مكتبة يجتمع فيها مع أحبابه وأصحابه ومريديه، في هذه الفترة كان الأنجال سعود ووضاح في المرحلة الجامعية، وكانا يدرسان في الولايات المتحدة الأميركية، فكان حضورنا أنا وعلي اليومي إلى البيت، ولقاؤنا بأبي سعود وأم سعود بمثابة التعويض عن غياب الأنجال، وما إن عاد سعود ووضاح من رحلتيهما الدراسية حتى بتنا أخوة جميعا تزيد الأيام من أواصر علاقتنا، وتتضافر محبتنا لمعلمنا الذي غرس فينا المحبة والود والوئام، وكان دوما ينشد السلام في النفس وعلى الأرض.

إن أم سعود وأبا سعود استطاعا أن يكوِّنا أسرة ملؤها الحب والتواد والتراحم، وكل من اقترب من هذه الأسرة كان يشمل في الفضاء الفسيح من المحبة والرعاية.

كتب خالد سعود الزيد قصيدة ولدي، ورثى الشعراء والأدباء والشهداء، وتفاعل مع الحوادث السياسية والاجتماعية في الكويت، ولكن لم نجد في شعره حضورًا واضحًا لأم سعود التي تحتل أكبر مكان في حياته!

وعندما دعاه قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الكويت لتكريمه في يوم الأديب الكويتي في العام 2000، وبحضور أفراد أسرته جلهم، وكانت السيدة أم سعود في مقدمهم، اعتلى المنبر وألقى قصيدة، تلك القصيدة التي كان عنوانها «المخبأة» إهداء إلى أم سعود. لقد فاض الإناء وطفح الكيل، وما عاد الصبر حميدًا من دون أن يتمم حياته على هذه الأرض وهو لم يخلف قصيدة في بدريته، والسيدة التي كانت له نعم المعين في إنتاجه الفكري والشعري والأسري. وما إن تلى المخبأة علينا حتى وجدت السيدة أم سعود وقد فاضت عيناها بالدموع، وجاشت بالبكاء لما غمرها خالدها بهذه الكلمات التي يعجز النثر عن وصفها، ويظل الشعر هو أرضها وموطنها:

المُخبأة (إلى أم سعود)

بِأَبِي أَنْتِ بَارِقاً يَتَثَنَّى...

بِمَعَانِيهِ مُسْفِراً أَوْ مُكَنَّى

كُلَّمَا لَاحَ في سَمَائِكِ بَدْرٌ...

خَالَهُ أَنَّكِ التّي قّدْ تَمَنَّى

رَاعِفٌ في مَسيرهِ يَتَغَنَّى...

هَاجَهُ الشَّوْقُ والمَشُوقُ مُعَنَّى

يَسْأَلُ الدَّرْبَ والدُرُوبُ كثارٌ...

جُمِّعَتْ فِيكِ مُفْرَداً وَ مُثَنَّى

أنْتِ يا زِينَةَ المرافئ حُلْمٌ...

وِسرَاجُ الشِّتَاءِ في البُعْدِ عَنَّا

مِنْ قدِيمِ الزَّمَانِ نَادَاهُ قَلْبٌ...

نَازِفُ الوَجْدِ مُعْلِناً مَا اسْتَكَنَّا

صُورَتي حَيْثُمَا أُقَلِّبُ وَجْهِي...

أنْتِ مِرْآةُ نَازِحِ ألأَمسِ يُبْنَآ

وبعيدُ المَنَالِ حَرْفٌ شَرُودٌ...

أمَرَ اللهُ أَنْ يكونَ: فَكُنَّا

مما قاله لي معلمي

من وإلى خالد سعود الزيد في ذكرى انتقاله

الزمْ فؤادكَ

بالنَّفَسْ

فالنَّفْسُ

يسرقها العطشْ

لا تستقر فتستكين

معكوسة فيما انعكسْ

الزمْ ضميركَ

فعيناك إن شاحت

ستهوي

حيثما يهوى الفرسْ

الزمْ طريقكَ

فالحرسْ

ملأت محيطكَ

بالعسسْ

الزمْ حديثكَ

إنْ همس

فالكونُ يسمعُ

دبّة الفكرة

نشاز أم جرس

الزمْ تجاهك

باليمين وباليسارِ

مسترصداً

أيان ترسلها النوايا

من حيث لاح لها قبس

عبدالله الخاطر

ليلة السابع من أكتوبر 2017

اعتدنا في كل عيد تناول الإفطار عند معلمنا وشيخنا خالد سعود الزيد

أم سعود وأبو سعود استطاعا أن يكوِّنا أسرة ملؤها الحب والتواد والتراحم

اعتلى المنبر وألقى قصيدة «المخبأة» إهداء إلى أم سعود