دروس من الأزمة الخليجية للجميع

نشر في 24-07-2017
آخر تحديث 24-07-2017 | 00:07
تعلمت قطر من دروس المحنة كثيراً، فالمحن هي تحديات، كما أنها فرص واعدة لمن يحسن اغتنامها، اليوم تتبنى قطر مشروعاً استراتيجياً ضخماً، بتكلفة 1.6 مليار ريال قطري لبناء مخازن للأمن الغذائي، على مساحة 530 ألف متر مربع بميناء حمد، ويضم هذا المشروع 3 مصانع للأرز والسكر والزيوت، تكفي احتياجات 3 ملايين نسمة سنوياً، مدة سنتين ونصف.
 د. عبدالحميد الأنصاري من أهم الدروس المستفادة من الأزمة الخليجية بين قطر وشقيقاتها الثلاث الخليجيات، سواء لقطر أو لغيرها من دول مجلس التعاون، ضرورة الاستقلال الاقتصادي، بالاعتماد على الذات، لاسيما في مجال الأمن الغذائي، فقطر على سبيل المثال، وعلى الرغم مما تمتلكه من موارد وإمكانات مالية هائلة، وما تقوم به من استثمارات فلكية في الداخل والخارج، وما لديها من أرصدة في المصارف الوطنية والدولية، فإن إنتاجها الوطني من المواد الاستهلاكيـــــة، الغذائيــــة بصفـــــة خاصـــــة، لا يغطي إلا نسبة قليلة من احتياجاتها المحلية، مما يجعلها تعتمد بشكل كبير على ما تستورده من الخارج، السعودية والإمارات بالذات، ومن هنا تكمن ضرورة التركيز على أولوية تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الاستهلاكية الضرورية، لأن الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وبخاصة في هذه المواد، يعرض الدولة للضغوط الخارجية بهدف التأثير على استقلالية قرارها السياسي -طبقاً للكاتب الموريتاني إسلمو ولد سيدي أحمد - وهذا ما رأيناه، فعلاً، في حالة قطر، حيث استطاعت التغلب على هذا التحدي بفضل مواردها الكبيرة، ونجحت في تجاوز المِحنة التموينية سريعاً عبر تسخير جسر الشحن الجوي، وإن بكلفة أعلى.

تعلمت قطر من دروس المِحنة كثيراً، فالمحن هي تحديات، كما أنها فرص واعدة لمن يحسن اغتنامها، اليوم تتبنى قطر مشروعاً استراتيجياً ضخماً بكلفة 1.6 مليار ريال قطري لبناء مخازن للأمن الغذائي، على مساحة 530 ألف متر مربع بميناء حمد، ويضم المشروع 3 مصانع للأرز والسكر والزيوت، ويكفي إنتاج هذه المصانع 3 ملايين نسمة سنوياً، ولمدة سنتين ونصف، انطلاقاً من أن المخزون الاستراتيجي الغذائي مسألة أمن قومي.

ومن ناحية أخرى نشطت وزارة البلدية والبيئة لتوفير الدعم الكافي لرفع القدرة الإنتاجية المحلية من الخضراوات والفواكه والمواد الغذائية، وتوفير كل المستلزمات الزراعية، عبر خطة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وأخذت الحماسة مواطنين قطريين، أصحاب مزارع، في تحد للحصار والمقاطعة، معلنين استعدادهم لتحقيق الاكتفاء الذاتي لا في الخضار والفواكه فقط، بل أيضا في اللحوم والدجاج والبيض والأسماك، شريطة زيادة الاستثمار الزراعي، وتقديم المزيد من الدعم لمنتوجات أكثر من 1400 مزرعة مرخصة، وإنشاء أسواق حديثة ومكيفة للخضار والفواكه.

لقد تعلم رجال الأعمال القطريون من دروس المِحنة، درساً ثميناً، طبقاً لرجل الأعمال القطري، الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، مدير مجموعة محمد بن حمد القابضة، الذي صرح بقوله: إن الدرس الكبير الذي تعلمناه كرجال أعمال، هو أن الاستثمار في الداخل أفضل استثمار، متوقعاً دوراً أكبر للقطاع الخاص، في توفير المواد والمنتجات الغذائية المحلية.

ولعل الدرس القطري، كان محفزاً للكاتب العُماني زاهر بن حارث المحروقي، لمطالبة حكومته بالإفادة منه، بالعمل على الاستقلال الاقتصادي في الغذاء والماء والدواء والملبس وأدوات البناء وقطع غيار السيارات والمعدات إلخ... والتركيز على الزراعة والصناعات الغذائية، والاستيراد المباشر، وإعادة ترتيب البيت العُماني من الداخل، بتبسيط الإجراءات، والقضاء على الفساد والمحسوبية والبيروقراطية المعوقة للاستثمار.

ختاماً:

لعل أهم دروس الأزمة الخليجية للجميع، أن الاهتمام بالداخل، وإعادة ترتيب البيت الداخلي، له الأولوية في الاهتمام وفي الاستثمارات الوطنية من الدولة والقطاع الخاص، ومهما حققت دولنا نجاحات خارجية، فإنها لا تكتمل إلا بنجاحات تعكسها الأوضاع الداخلية، في تحسين أكبر للخدمات والمرافق، وفي تجويد نوعي للتعليم، وفي تطوير أعلى للخدمات الصحية، وفي تشريعات سياسية واجتماعية أكثر انسجاماً مع متغيرات العصر، وفي بنية تحتية خليجية أفضل، وفي بيئة صحية أرقى، وفي مناخ اجتماعي أكثر انفتاحاً وتسامحاً، أطمع أن تكون «المواطنة» هي العملة الرئيسية في التداول الاجتماعي والسياسي الخليجي، لا الهويات الضيقة والانتماءات القبلية والطائفية، أطمح إلى أن تحظى جميع مكونات مجتمعاتنا بنفس تكافؤ الفرص والامتيازات القانونية والدستورية على قدم سواء، أطمح أن نتجاوز الحواجز القبلية والطائفية كما تجاوزتها مجتمعات الدول المتقدمة، أطمح إلى تشريع أسرة خليجي متصالح مع روح العصر، وإلى خطاب ديني منفتح على الثقافات، وخطاب إعلامي ينشر التسامح ويحفز شبابنا على العمل والإنتاج والإبداع.

* كاتب قطري

أطمع أن تكون المواطنة العملة الرئيسية في التداول الخليجي لا الهويات الضيقة والانتماءات القبلية

أطمح أن تحظى جميع مكونات مجتمعاتنا بتكافؤ الفرص والامتيازات
back to top