صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3393

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

د. عمر الدوسري و«المسألة الاجتماعية في الكويت» (4)

  • 20-04-2017

تحليلات واقتباسات د. الدوسري تبدو «غير ودية» في أكثر من موضع عن دور الأسرة والتجار، وليس من الواضح في عموم التحليل كذلك إن كان للدكتور الدوسري نظرية اجتماعية يحلل بموجبها التطور الاقتصادي والسياسي والمسألة الاجتماعية واختيار المسارات في كل مجال.

أتى النفط إلى المجتمع الكويتي بتحول وتغير واسعين كما هو معروف، إذ يصفه د. عمر الدوسري في الكتاب قائلا: "كان التطور الوافد عنيفا وشديدا في نوعه وكمه، فشرع يغزو بسرعة وغلظة ما ألفه المجتمع من عادات وتقاليد وقيم اجتماعية، محاولا دون إشفاق أن يحل محلها ويصنع بدلا منها مجتمعا جديدا". على إثر تصدير البترول عام 1946، يضيف، بدأت الكويت إقامة إدارات الدولة الحديثة ومؤسساتها، "وكان على رأس كل جهاز إداري أحد أفراد الأسرة الحاكمة يديرها بطريقته الخاصة، وهكذا نشأت الدولة الحديثة ومؤسساتها حول أسرة آل الصباح، وعندما تولى الشيخ عبدالله السالم الحكم عام 1950، وضع نظاما إداريا جديدا تكون من مجلس أعلى للشيوخ الذين يديرون الدوائر المختلفة كالمالية والمعارف والصحة والشرطة، وكان بمثابة نواة لمجلس الوزراء".

وينقل د. الدوسري عن "روبرت هاي" Hay صاحب كتاب The Pevsian Gulf ،1959، States وصفه لنظام الحكم في تلك الفترة بأنه "نظام بطريركي أو أبوي، الحاكم هو الدولة والأمر متروك له لتوزيع الثروة النفطية حسبما يراه الأفضل، كما يتولى أعضاء الأسرة الحاكمة الوظائف العليا بالدولة، كل منهم يدير شؤون الدائرة الموكلة إليه".

ويتحدث د. الدوسري عن الاستقلال والتثمين وتوزيع الثروة، ليصل إلى قرار الشيخ عبدالله السالم بالدعوة إلى الانتخابات عام 1961، حيث كان لهذا القرار، يقول الباحث، "تأثيره العميق في وضع الأسرة الحاكمة، حيث سحب الكثير من الامتيازات السياسية والمادية من أفراد الأسرة التي كانوا يتمتعون بها قبل الاستقلال، وقد حاول بعض أفراد الأسرة التأثير على قرار الأمير، إلا أنه كان قد حزم أمره نحو الحكم الوراثي النيابي". ويقول "بإيجاز فإن الأسرة الحاكمة في الكويت هي إحدى القوى الاجتماعية الرئيسة في المجتمع الكويتي طوال تاريخ الكويت".

وقد حافظت مجموعة التجار، يضيف د. الدوسري، على علاقتها الوثيقة بالأسرة الحاكمة لزيادة نفوذها التجاري، "وعندما بدأت الشركات البريطانية بغزو الكويت طمعا في الفوز بمناقصات مشاريع التنمية الحكومية، قام الشيخ عبدالله السالم بإخطار تلك الشركات بأنه لن يحق لها العمل في الكويت بدون أن يكون لها شريك كويتي، على أن تكون الشراكة مناصفة".

تبدو تحليلات واقتباسات د. الدوسري "غير ودية" في أكثر من موضع عن دور الأسرة والتجار، وليس من الواضح في عموم التحليل كذلك إن كان للدكتور الدوسري نظرية اجتماعية يحلل بموجبها التطور الاقتصادي والسياسي والمسألة الاجتماعية واختيار المسارات في كل مجال. فيقول مثلا "تم توزيع نصيب كبير من الثروة النفطية على أفراد الأسرة الحاكمة والتجار عن طريق شراء أراضيهم خارج مدينة الكويت- التثمين- والتي كانت ملكا للشيوخ والتجار بوضع اليد، في إطار اتجاه الشيخ عبدالله السالم إلى تلك الطريقة لإثراء الشيوخ، وتوزيع جزء كبير من الثروة عليهم لتحسين الأوضاع المادية للأسرة التي لم تكن غنية بشكل واضح وكبير قبل النفط، وذلك كله في إطار سعي الشيخ عبدالله السالم لدعم أسرته لمنافسة القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى في المجتمع الكويتي في كل المجالات. كما أن أسرة الحكم في الكويت دائما ما تكون كتومة على خلافاتها العائلية حتى لا ينعكس ذلك على حكمهم".

وعن استفادة التجار من اقتصاد النفط يقول إنه "مع ظهور الثروة البترولية وتطور المجتمع وحاجته إلى كثير من الاحتياجات، بدأ التجار في الاستفادة من خلال سيطرتهم على كل الوكالات التجارية في الكويت، وبذلك أصبح التجار هم المستفيدون الحقيقيون من هذا التغيير، فقد بدأت الثروة الوطنية التي كانت في حسابات التجارة تعود على شكل استثمارات كبرى في كل المجالات وبالأخص مجال الإنشاءات والخدمات بتسهيلات حكومية كبيرة".

وعن التجار الشيعة يضيف "في هذا الوقت ظهر بعض التجار الشيعة في الحياة المالية والاقتصادية، ونجح بعضهم في منافسة أبناء العائلات الكويتية التقليدية في ميدان التجارة والتوكيلات، وخصوصاً في مجال تجارة الساعات والسيارات والمعدات الكهربائية والإلكترونية".

ويتفق القارئ مع د. الدوسري بشأن ما جرى في الاقتصاد الكويتي بعد ظهور النفط، وأشكال الفساد وعدم العدالة التي رافقت توزيع الثروة قبل أن يحاول الشيخ عبدالله السالم أن يحدّ بعض الشيء منها، ولكن التثمين على ما رافقه من سلبيات وفساد، ساهم، من جانب آخر، في ظهور طبقة وسطى كويتية تعيش حياة حديثة في منازل مريحة، وتقوم بدور مهم في تطوير الدولة لاحقاً.

وكان من الأفضل ألا تقع ظواهر الفساد ووضع اليد على الأراضي والاحتكار التجاري، لكنها جميعاً مما يرافق، للأسف عادة، انطلاقة أي حياة اقتصادية جديدة أو تدفق أي ثروة وطنية في المجتمعات، وبخاصة شروط المرحلة تلك من الأوضاع الاجتماعية وتوازن القوى وغير ذلك.

ويلخص د. الدوسري نشوء الطبقة المتوسطة شارحاً: "في منتصف الأربعينيات حل النفط محل الاعتماد على التجارة البحرية في الكويت، ونتيجة لتوفر الموارد النفطية بدأت الحكومة الكويتية برنامجاً اجتماعياً واقتصادياً للبنية الأساسية لتحسين مستوى معيشة المواطنين، تمثل في إنشاء وبناء الطرق والمدارس والمستوصفات والمنشآت الحكومية وإرسال البعثات، وقد استأثرت الخدمات التعليمية والصحة والاجتماعية بجل اهتمامات الحكومة خلال الخمسينيات من القرن الماضي مما أدى لظهور طبقة من المتعلمين تسعى إلى ممارسة دورها في الإدارة والسياسة".

وعند نتائج ظهور النفط يضيف: "وقد نتج عن ذلك بروز قوى سياسية جديدة تمثلت في الشباب الكويتي المتعلم، والذي بدأ يطالب بالتغيير السياسي في موازاة التغيير الاقتصادي، وقد ساعدت ضغوط الفئة الوليدة في وضع الأسس لإقامة النظام البرلماني في الكويت، لا سيما بعد أن أدى ظهور النفط وانتشار التعليم وزيادة حجم الثروة والتطور في مجال المواصلات وانفتاح الكويت على العالم بصورة أتاحت وجود حجم هائل من التفاعل والاتصال وتبادل الخبرات مع شعوب العالم دور في ظهور هذه القوى، لذا لم تعد في الخمسينيات المطالبة بالإصلاح السياسي مقصورة على التجار كما في السابق، بل اشتملت على أفراد من الشعب من الذين تلقوا تعليمهم في الخارج بالإضافة الى العاملين في شركة النفط وعمال البناء الذين كونوا الطبقة العاملة الحديثة".

ساعدت بعض التطورات المحلية والعربية في تعزيز دور هذه الشريحة الحيوية واتساع مسؤولياتها الوطنية، ومن هذه التطورات الأحداث التي توالت في العالم العربي في مرحلة شهدت نمو أعداد المتعلمين من أبناء الكويت في وسط الجيل الجديد من أبناء التجار وبناتهم والطبقة الوسطى، التي زادها التعليم النظامي والبعثات ثقة بالنفس وإقبالاً على دور سياسي مأمول، وتمثلت بعض النتائج في إيجاد صحافة كويتية نشطة وتأسيس الأندية "وكانت تلك المجالات والأندية وسائل تعبير مهمة برزت خلالها التيارات السياسية المتعددة".

وسنرى في المقال القادم جوانب من حديث د. عمر أبا الخيل الدوسري عن القوى المتوسطة الوليدة!