صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3566

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

شجاعة الاعتذار

  • 15-04-2017

استقلّ أحد الأشخاص ذات صباح قطار الأنفاق للذهاب إلى عمله، جلس الركاب بسكينة وهدوء، يتمتعون بقراءة الصحف أو مشاهدة الهاتف النقال، في حين استغرق الآخرون بالتأمل والتفكير والاسترخاء والبعض نيام، كان الجو مفعما بالهدوء والطمأنينة، صعد رجل بصحبة أطفاله، فاختفت السكينة بحضورهم الصاخب وسرعان ما امتلأت عربة القطار بضجيجهم وهرجهم، جلس الرجل بهدوء تام وأغلق عينيه غافلا عما يحدث وكأنه في عالم آخر، كان الأطفال يتبادلون الصياح ويتقاذفون الأشياء ويزعجون الركاب، فأثار الوضع غضب الركاب واستغربوا استمرار الأب في جلسته الهادئة دون أن يحرك ساكنا!

امتعض المسافرون من تبلد الرجل وبرودته لدرجة السماح لأبنائه بإزعاج الناس دون أن يفعل شيئا حيال ذلك! نفد صبر أحدهم وخاطب الرجل قائلا: أطفالك يسببون إزعاجا كبيرا للركاب، أتعجب من هدوئك وعدم كبح جماحهم والتحدث إليهم للتوقف عن هذا العبث ومضايقة البشر؟! فتح الرجل عينيه بهدوء وكأنه يعي الموقف للمرة الأولى، وبنظرة مليئة بالحزن واللطف قال: نعم أنت على حق، يبدو أنه يتعين علي أن أفعل شيئا إزاء هذا الأمر!

لقد قدمنا للتو من المشفى حيث لفظت والدتهم أنفاسها الأخيرة قبل ساعة، فتجمد عقلي وأصبحت عاجزا عن التفكير والتعامل مع الوضع، وأعتقد أنهم لا يدرون كيف يواجهون الموقف أيضا!

خيم سكوت مخيف على المكان! وعم الشعور بالذنب! اختفت حالة الغضب فجأة! وامتلأت القلوب بآلام العائلة المنكوبة، وتدفقت مشاعر التعاطف والتراحم كالسيل الهادر، وتساءلوا بدهشة هل توفيت زوجتك للتو؟ سادت حالة من الخجل لظلم الرجل وتوبيخه وعرضوا عليه المساعدة، بلحظة تغيــر كل شيء، فانقلبت مشاعر السخط على تصرفات الأطفال إلى تفهم للوضع والرغبة في مد يد العون!

كم مرة في اليوم نحاسب الناس ظلما على تصرفاتهم دون العلم بظروفهم؟ وكم مرة أطلقنا الأحكام السريعة دون تحري الحقيقة، ومن غير البحث عن الأسباب التي أدت إلى تلك التصرفات غير المتوقعة ممن نصادف بالحياة؟ لماذا ننسى محاسبة الذات "حاسب نفسك في كل يوم قبل أن تحاسب"، ونعض أصابع الندم لاحقاً على ظلم الناس ومحاسبتهم! نتعلم الدرس بعد فوات الأوان، عندما تتضح الرؤية وتتكشف الأسباب ونتيقن من مدى ظلمنا للآخرين بالحكم غير العادل الذي أصدرناه عليهم بلحظة غضب، ووقعه الأليم في النفوس! فهل نمتلك الشجاعة للاعتذار والابتعاد عن محاسبة الناس وسوء الظن؟

يمر الإنسان يومياً بمواقف كهذه، إما ظالماً أو مظلوما! فالصبر والعفو والتسامح صفات إنسانية وأخلاقية تصدر عن أناس يتمتعون بالقوة والشجاعة، أناس يمتلكون القدرة على التحكم في أفكارهم لعدم التسرع في محاسبة الآخرين! وتفادي إصدار الأحكام الخاطئة عليهم تقديراً للظروف التي يمرون بها، ولديهم شجاعة الاعتذار عن الأخطاء التي يرتكبونها بالحياة، فهل لدينا الشجاعة؟!