صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4222

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

منى فياض: إيران لعبت على وتر الشعارات القديمة لحشد الشيعة في سورية

منى فياض أستاذة في علم النفس وباحثة وناشطة سياسية أجرت كثيراً من الأبحاث في ميادين الإعاقة العقلية والتربية المتخصصة وسوء التكيّف الاجتماعي مثل العمل الميداني على السجناء وعلى مجتمع السجن، كما على جنوح الأحداث. كذلك تشمل دراساتها جوانب من السلوك والتربية الاجتماعيين من منظار التقاطع الثقافي، والقيم الثقافية العربية وأثرها على المراهقين والمرأة والأسرة، تقول إن الأحداث السوري وبسبب تدخل {حزب الله} ستجرنا إلى ثارات ستبقى عشرات السنين، وتعتبر أن ما يجري في سورية ثورة حظها سيئ ولم تكن التوازنات الجيوبولتيكية على المستوى العالمي لمصلحة أهلها.

كيف تنظرين إلى مشهد الصراع السني- الشيعي من خلال الصراع في سورية؟

لنبدأ من الجزء الأخير من السؤال. أجد أن جمهورية إيران كمن يلحس المبرد، بمعنى أنها مع {حزب الله} اللبناني حشدت الشيعة حولهما وأقنعتهم شباباً ورجالاً بالمشاركة في القتال الدائر في سورية إلى جانب نظام بشار الأسد، ولعبت السياسة الإيرانية على وتر الحساسيات والشعور الشيعي وعناوين قديمة مستعادة مثل {المظلومية} و{القمع} و{المعتدى علينا} و{غير ممثلين في السلطات}، إلى جانب شعارات الحرمان وعناوينه التقليدية التي تعود الى زمن الإمام الحسين... يهدف استعمال هذه الشعارات إلى تقوية العصبية الطائفية وتكتلها. وفي الوقت نفسه لا تريد إيران أن يقوى مفعول الوتر العصبي بشكل يجتاح العالم الإسلامي ويتحول إلى صراع سني شيعي كارثي، لأن إيران تدرك وتعرف حتى لو كان يديرها أناس متعصبون ومتهورون، إن هذا الصراع (السني- الشيعي) سينقلب عليها لاحقاً، مهما كانت ايران قوية وبطلة، فالشيعة لا يشكلون سوى 12 أو 15 في المئة من مجموع المسلمين، وأعتقد أن الإيرانيين عندهم هذا المأزق والحيرة (منذ زمن الخميني الذي كان يطمح إلى مضاعفة عددهم من خلال التشجيع على الإنجاب). ومن هذا المنطلق، تلاحظ أن السياسة الإيرانية تتصرف كما نقول بالعامية {ضربة عالحافر ضربة على المسمار} في توجهاتها ومواقفها، ويتجلى هذا الأمر أيضاً في خطابات أمين عام {حزب الله} حسن نصرالله، إذ تجده يدعو إلى التهدئة، خصوصاً في لبنان، وفي الوقت نفسه يصعد في الموضوع السوري سواء في المشاركة في القتال أو حتى في الدعوة إلى إبقاء القتال محصوراً هناك. في المختصر، يؤسس هذا التخبط في الواقع وعلى الأرض، وبسبب المعارك الدموية في سورية، لثارات وصراعات ستدوم عشرات السنين. لن نعرف نتائجها الآن أو في الوقت القريب. وربما سيبقى هذا الصراع مستمراً إلى أن نتوصل في الشرق الأوسط والعالم العربي إلى إنشاء بلدان ديمقراطية متوازنة في عالم جديد تماماً. لكني لا أرى هذا الأمر يتحقق قبل خمسين عاماً على الأقل.

ألا تجدين أن الصراع الحاصل اليوم في سورية وبلدان أخرى هو استمرار للصراع الإسلامي- الإسلامي، أو الفرق الإسلامية، الممتد منذ قرون، ويتجلى الآن بقوة في استحضار الرموز الدينية مثل {زينب لن تسبى مرتين}؟

حين بدأ {حزب الله} القتال والتدخل في سورية، اضطر إلى إيجاد ذرائع تبريرية لدخوله القتال. تحدث قادته في البداية عن أن تدخلهم يأتي لحماية الشيعة اللبنانيين في البلدات السورية الحدودية... لا نعرف إن كان هؤلاء لبنانيين أم سوريين؟ ثم سمعنا {حزب الله} يبرر وجوده في دمشق بوجود مقام السيدة زينب لحمايته من التفكيريين، إلى ما هنالك من تبريرات. في البداية، لم يكن الجمهور الشيعي مقتنعاً بالمشاركة في القتال، لكن دخول {حزب الله} في الحرب كان بوتائر تصاعدية وتبريرات متباينة، ووصلت الأمور إلى استعمال الحكايات- العوامل الميتولوجية في الوعي الجمعي، فبتنا نسمع كثيراً عن علامات بروز الإمام المهدي، وروايات لدى الشيعة اللبنانيين عن أشخاص سيأتون على فرسان من منطقة درعا، ومعارك ستؤدي إلى كذا وكذا... إلخ.

عاش {حزب الله} نوعاً من التخبط في مشاركته في الحرب السورية. وفي النهاية عبر لهم عن سياستهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان ضد التدخل الغربي في سورية، فيما حاول الدخول إلى أوكرانيا كي يحمي الروس أو الذين يتحدثون اللغة الروسية، كما يقول. هذا هو المنطق الذي لا يقبله العقل، وما فعله {حزب الله} وتحت ذرائع مختلفة يصبّ في هذا {المنطق}، فيما الهدف الوحيد من تدخله هو حماية النظام السوري. أعتقد أن {حزب الله} لا يحترم هذا النظام لكنه يدرك أنه يحافظ له على وجوده في لبنان ويؤمن له ممراً لأسلحتهم، وبالتالي اخترع هذه البهلوانيات والتبريرات كافة لأجل تدخله العسكري في سورية، وثمن هذا التدخل مزيد من إثارة النعرات المذهبية. لقد تعقدت الأمور أكثر في سورية مع سقوط شلال الدم وتدمير البيوت والمنازل والمدن وتهجير الناس. والنافل أن كثيراً من هذه الأفعال حصلت على يد شيعة لبنانيين يقودهم {حزب الله} أو مرتزقة عراقيين ينضوون تحت لواء {أبو الفضل العباس}. أمام هذا كله، ما العمل؟ من سينقذنا من نتائج الحرب الطويلة الأمد؟ الآن أصبح الصراع خارج فكرة حماية السيدة زينب، انتهى الأمر إلى أن الشعب السوري بات لديه شعور قوى بأنه معتدى عليه ويُقتل، والقتل، مهما كانت مبرراته، فهو في النهاية قتل ظالم. تستطيع أن تبرر القتال عادة في حالة واحدة وهي حالة الدفاع عن النفس أمام عدو. أما أن يهاجم {حزب الله} قرى وبلدات ومدن سورية ويمارس القتل، وأياً كان سبب هجومه وبأي الطريقة، حتى لو تصرف كأحسن الجيوش النظامية، ففي النهاية هو (أي حزب الله) سيبقى جزءاً أساسياً من أداة القتل أو التهيئة للقتل، وسيكون لهذا الأمر تداعياته المربكة في المستقبل وسيشكل معضلة، فضلاً عن آثار مخيفة كان يمكن تفاديها... لأننا في المستقبل إذا أردنا أن نختصر ما حصل في سورية، سنجد من يقول أو يتحدث لأولاده، أن الشيعة اللبنانيين دفعتهم إيران ودخلوا إلى سورية وقتلوا السنة السوريين، فيما لن يجدوا مبرراً مقنعاً أو مخففاً لدخول {حزب الله} إلى سورية. ستبقى هذه القضية في الأذهان على مدى عقود، هي مثل القضايا العالقة كافة، كما دروس التاريخ، فحتى الآن مثلاً نسمع عن الصراع الفارسي- العربي، ويأتيك شخص مثل رحيم الصفوي ليقول إن هذه هي المرة الثالثة التي تصل حدودنا إلى جنوب لبنان، ما يزيد الطين بلة.

الأحداث في سورية اليوم، هل هي ثورة أم تحولت إلى فتنة؟

إنها ثورة مستمرة... ثمة من يقول إنها حرب أهلية، ولكن الأخيرة تحصل بين مكونات منسجمة. نحن في لبنان، طبعاً بسبب تدخلات أجنبية عدة فضلاً عن التنظيمات الفلسطينية المسلحة التي توافر لديها من يتبناها، عشنا الحرب الأهلية بمختلف وجوهها وأشكالها. في سورية، أرى جهة تقاتل بالوسائل كافة لأجل البقاء وهي النظام الأسدي المغطى بشكل جيد من حليفيه إيران وروسيا وخلفهما الصين، في مقابل طرف آخر هو الشعب السوري الذي يذهب ضحية، سواء بناسه أو أرزاقه. الشعب السوري يقف معه {الجيش الحر} طبعاً. أما تنظيم الدولة الإسلامية {داعش} فموجود بالقوة كأنه احتلال، والشعب السوري لا يحبه ولا يؤيده باستثناء بعض المتعصبين. {داعش} جيش محتل، مثله مثل غيره من الاحتلالات الكثيرة.

 لا أجد أن الصراع في سورية بين طوائف، و{داعش} مجرد مرتزقة وعملاء لا أحد يعرف من يشغلهم وهم بندقية للإيجار، مستعدون للعمل عند الشيطان، مجموعة من المرضى النفسيين الذين لديهم ثأر على العالم لأسباب من بينها سوء تنمية ومناخات عنصرية... أسسوا تنظيمهم لتجميع المحبطين في العالم تحت شعارات إسلامية والهدف في النهاية ممارسة القتل. تستفيد إيران منهم والولايات المتحدة أيضاً وروسيا والنظام السوري. لا دخل للشعب السوري بهم، بل هم ساهموا في تفكيك الجيش الحر وقتل عناصره، ولديهم أجندة مختلفة عن الثورة السورية. باختصار، لا أجد في الأحداث السورية حتى الآن حرباً أهلية، هي ثورة حظها سيئ، ولم تكن التوازنات الجيوبولتيكية على المستوى العالمي لصالح أهلها، فالولايات المتحدة متعبة من الحروب، والرئيس الأميركي باراك أوباما صدَّق بأنه حامل لـ{نوبل السلام} وهو متردد في مسألة سورية من الأساس ولا يريد التورط في نزاعات جديدة. روسيا تريد الانتقام لتاريخها وللحرب الباردة التي خسرتها أيام الاتحاد السوفياتي، وبوتين يريد أن يكون قيصراً جديداً. من دون أن ننسى تفكك البلدان العربية وترهلها... كانت الظروف العالمية كافة ضد الثائرين في سورية، وهذا لا يمنع أن يكون ما يحصل في سورية ثورة.

فكرياً هل تعتبرين أن ثمة دوراً للاستشراق في تنمية الصراع السني الشيعي، لأنه كان يركزا كثيراً على خصوصيات الأقليات في البلدان العربية وصراعاتهم، خصوصاً الشيعة؟

 

لا أؤمن بمنطق المؤامرة. لكن أستطيع القول إن الدراسات هي نتاح مراكز أبحاث لديها من يمولها، والممول لديه سياسة أفضلية لمواضيع محددة. قد افترض أن العالم الغربي يحبذ بقاء العرب منقسمين وضعفاء وقليلي التنمية. طوال العقود الماضية، كان الغرب يدعم الأنظمة المستبدة، ورغم شعاراته العريضة عن الديمقراطية والحرية، دعم أنظمة من دون أن يأبه لما تفعله هذه الأنظمة بشعوبها. مثلاً مجزرة حماة التي ذهب ضحيتها آلاف القتلى في سورية عام 1982، غطى الإعلام الغربي عليها ولم يأت على ذكرها، حتى الرأي العام العادي في لبنان لم يكن يرى في النظام السوري نظاماً ديكتاتورياً إلا قبل سنوات قليلة. هكذا كان الغرب يتغاضى عن كل شيء في الشرق الأوسط، ويدعم الأنظمة العربية المستبدة والمتشددين في صراعه مع الاتحاد السوفياتي (الشيوعي)... وعندما تجد دراسات استشراقية مثل التي تصفها، فهي تأتي في إطار البحث، أولاً ثمة باحثون يفتشون عن أسباب الصراعات في هذه المنطقة، ومن ناحية أخرى ثمة مراكز أبحاث توجه الباحثين بهذا النوع من الدراسات. هذا كله لا يلغي أنه في تاريخ العرب والمسلمين صراعات طويلة، لكن لا ينبغي أن نختصر تاريخنا بالصراعات والعنف، كما فعل أدونيس، في كتاب {أمس الكتاب}، إذ جمع كل الأحداث العنيفة في التاريخ العربي الإسلامي وقال إن التاريخ العربي الإسلامي هو تاريخ عنف. لا مشكلة في أن يستنتج أدونيس ما يريده، لكن الشعوب كافة لديها في تاريخها صفحات طويلة من عنف. ثمة من يبالغ في التركيز على أن الإسلام يرفع مبدأ قطع اليد، مع العلم أن معظم التاريخ عرف بشعار {العين بالعين والسن بالسن}. حتى في مسرحية {تاج البندقية} لشكسبير، يقيم البطل قطعة اللحم مقابل وزن الذهب. نيتشه وميشال فوكو اشتغلا على هذا الموضوع. عموماً، تاريخ البشرية عنفي، والأوروبيون لم يخرجوا من هذا المنطق إلا قبل 200 عام.

ثمة مجموعة من الباحثين كانت تظهر الجانب العنفي في الإسلام، في المقابل ثمة مجموعة أخرى، من بينهم روجيه غارودي والمستشرقة الألمانية زجريد هونكة صاحبة كتاب «شمس العرب تسطع على الغرب»، كانت تبيِّن وجه الإسلام المتسامح. ونحن المسلمون والعرب غرقنا بين المجموعتين أو الوجهين.

في الحقيقة، تاريخنا ليس تاريخ تسامح بالمطلق ولا تاريخ عنف بالمطلق، إذا قارنا أنفسنا مع الآخرين نجد أن الإسلام كان متسامحاً مع المجانين واليهود والأقليات، كان متسامحاً نسبياً أكثر من الغرب الذي كان يضع المجانين في البواخر وينفيهم. لم يتصرف الإسلام على هذا النحو... في الغرب كانوا يقتلون بعضهم البعض بقوة وظهرت عندهم محاكم التفتيش ومطاردة الساحرات، لكن هذا لا يعفي من الحديث عن حرق الكتب في العالم العربي والإسلامي وقتل المفكرين من ابن رشد وغيره.

وبمنأى عن الأحداث التاريخية وتداعياتها، مثلنا مثل باقي الشعوب والأمم، لدينا إيجابيات وسلبيات في تاريخنا. نمر الآن في مرحلة تطور نسبي، أصبحنا نرى ماضينا وتاريخنا بالشكل الذي رآه الغربيون قبل عقود، يوم أخذوا مسافة من تاريخهم وبدأوا بدراسته وكتابته. باعتقادي أن المؤرخ العلمي يكتب التاريخ ليس كامتداد له، وعليه إن أراد كتابة التاريخ أن يتعامل مع حادثة مقتل ابن رشد، ليس من خلال الشعور بالفخر ولا من خلال الإحساس بعقدة الذنب. بل يجب أن ينظر إليها بأعين جديدة محايدة ويحكم عليها انطلاقا من الحقبة التي كانت فيها.

اعتبر أننا في بداية وعي كبير وانطلقنا بمرحلة جديدة، والأمر يحتاج إلى وقت لتظهر ثماره النهضوية. ليس سهلاً أن تجد التغيير الجذري في منطقة عاشت لستة عقود تحت جزمة العسكر من دون تنمية، مع أمية سائدة ومتفشية وشعوب مستعبدة محتلة من حكوماتها وأنظمتها وتفكر أنها تستطيع تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي. من هنا، ليس علينا أن ننظر إلى «الربيع العربي» ببساطة فنصفه تارة بـ{الربيع» وطوراً بـ{الخريف». الثورات تحتاج إلى وقت وتضحيات، وفي ما خص الثورات العربية ثمة قوى ظالمة وظلامية تحاول ضربها وتحوير مسارها. المهم هذه المرة أن الشعوب العربية حين نزلت إلى الساحات في مصر وتونس وغيرهما ضد الحاكم، كانت ميزتها (أي الشعوب) أنها لم ترفع الشعارات التي اعتدنا والتي تصب كلها في «لا أميركا ولا إسرائيل». هذا لا يعني أن الذين نزلوا إلى الساحات يحبون أميركا أو هم سعداء بإسرائيل، بل يعني أن هؤلاء باتوا يعرفون أن العبيد لا يحررون عبيداً، وأن من يريد فلسطين عليه أن يحرر نفسه في البداية، وكي يحقق ذلك يجب أن يكون حراً.

 وكيف يكون حراً ويعيش في ظل أنظمة كانت تدعسه من مصر إلى سورية والعراق وتونس؟

 المواطن العربي بحاجة إلى التحرر والتخلص من فكرة العبودية التي تسيطر عليه، حينها يمكنه مساعدة غيره على التحرر... وفي هذا الإطار أجد أن بعض المثقفين يعيش حالة انشطار بخصوص الأحداث حوله، سواء في نظرته إلى النكبة الفلسطينية أو إلى الثورة السورية. في العلوم السيكولوجية مثلاً، نقول إن الفتى (أو المرأة) حين يتعرض للاغتصاب يصاب بالشيزوفرينا أحياناً ليحمي نفسه لأنه لا يتحمل هذا القهر. والمثقفون الذين يبكون على النكبة يعيشون انشطاراً في حياتهم، لأنهم يبكون على الفلسطيني في فلسطين ولا يبكون على الفلسطيني الذي يموت في سورية، ولا يبكون على ملايين المهجرين السوريين وملايين البيوت المهدمة، والقتل الذي يتزايد يوماً بعد يوم.

 تعيش سورية الآن ثورة ضد الاستبداد وفي الوقت نفسه ثورة ضد المحتل الإيراني الذي يسيطر عليها تحت  قناع الأسد، وفي النهاية الأحداث في سورية هي ثورة.