صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4222

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

سمير الحاج شاهين

اللبناني سمير الحاج شاهين اسم طالما عرفناه من خلال ترجمته لكتاب {أناشيد مالدورور} لايزيدور دوكاس الذي اشتهر بلقب الكونت دي لوتريامون ( 1846 – 1870). لكن الحاج شاهين ورغم جدارته في الترجمة بقي بعيداً عن الأضواء طوال العقود الماضية، كأنه أشبه بالناسك اللغوي المنعزل عن أوساط الميديا وتداعياتها.

 كان من إيجابيات الشاعر العراقي خالد المعالي، الباحث الدائم عن المؤلفات والذخائر لنشرها، أنه فتش عن الحاج شاهين وزاره في منزله في زحلة في لبنان وطلب منه إعادة نشر {اناشيد مالدورور}، الكتاب الذي يعتبر من أمهات الكتب الشعرية والحداثوية. كنا نقرأه ونقف مصدومين أمام عبارات منه مثل {حزين كالكون جميل كالانتحار}، وغرابته التي استلهمها غلاة السريالية، وجرأته اللافتة في التطرق إلى محرمات اجتماعية ودينية، مع التذكير في أن لوتريامون عاد في كتبه اللاحقة إلى الإيمان والتدين، كان شديد التقلب والازدواجية وتيتّم في سنّ مبكرة بعدما ماتت والدته بعد عشرين شهراً من ولادته. عاش طفولته في أجواء مليئة بالعنف والمجازر والكوارث والأوبئة تخللتها الحرب بين الأورغواي وبين الأرجنتين في عام ولادته واستمرّت حتى عام 1952، ويظهر تأثير ذلك في أناشيده: {الحرب الأزلية نصبت سيادتها الهدَّامة فوق الأرياف، وهي تحصد بفرح ضحايا عديدة...}. ومحنة بعض الشعراء العرب أنهم حاولوا تقليد حياته والجمع بين المقدس والمدنس في وقت واحد لكنهم فشلوا بسبب التكلّف.

المفاجأة لم تكن في أن خالد المعالي نشر أناشيد لوتريامون بترجمة شاهين، بل في نشره في كتاب {روح الموسيقى} للمترجم نفسه، وسينشر معظم أعماله النثرية وترجماته... كتاب {روح الموسيقى} يعتبر جوهرة ثقافية وأدبية لمحبي الموسيقى الكلاسيكية (بتهوفن، شوبان) والموسيقى الدينية (هاندل، موزار، باخ) والأوبرا (فاغنر وموزار) ورقص الباليه (تشايكوفسكي، سترافنسكي)، هذا الكتاب كان أشبه بالمجهول بالنسبة إلى كثيرين، يمثل بمجملة قراءة فلسفية ممتزجة بقراءات شاعرية لا تخلو من انعطافات نحو البعد النفسي للموسيقى في حياة الإنسان، بالإضافة الى ذلك حاول المؤلف معالجة كثير من المقطوعات الموسيقية معالجة توضيحية هدفت إلى المضي بعيداً عن فلسفة معاني تواترات وإنجازات تلك القطع الموسيقية العالمية التي لا يزال صداها يتردد في أنحاء العام. ينطلق كتاب {روح الموسيقى} من فقرة تقول: {جاء في التراث الصيني القديم أن الموسيقى، التي هي في نظر بتهوفن أعلى من كل حكمة وفلسفة، مرتبطة بالعلائق الجوهرية للكائنات، لذلك يجب معرفتها لتسيير أمور الحكم. كما تروي أسطورة أن الإمبراطور هوانغ- تي أراد استنباط قوانين للموسيقى، فأرسل لهذه الغاية إلى مشارق الأرض ومغاربها أستاذه في هذه الفن، الذي عثر على أرض ميعاد كان ملك قد غامر في مجاهلها منذ ألف سنة وحصل فيها على درجة من السعادة أنسته طريقة الإياب}...

لا شك في أن معظم كتابات الحاج شاهين أشبه بسمفونية سردية، سواء مقدمته للوتريامون أو رواياته أو قراءته لطفولة بروست وكتاباته عن الموسيقى... كلها تجعلنا نشعر بضحالة الكتابة التي تتناول الموسيقى في هذه الأيام، بل تجعلنا نشعر بالحنين في مخيلتنا إلى {بحيرة البجع} و{سوناتا} بتهوفن و{ليليات} شوبان.

يقول الحاج شاهين في كتابه: {إن العبقري لا ينتظر أجراً لا  في هذه الدنيا ولا في الآخرة. إن مكافأته تنبع من نفسه}، والحاج شاهين على هذه الصورة.